لعل أحد أسخن المجالات التي أثارتها ثورة الإعلام الاجتماعي هي لغة الصورة، أو اللغة الفوتوغرافية. وعلى الرغم من قلة الطرح النقدي في هذا المجال إلا أن شواهده وآثاره تزداد وضوحاً مع مرور الوقت وارتفاع معدلات انضمام وتفاعل الناس مع الشبكات الاجتماعية. فصورة واحدة من «داعش» قد تحسم آلاف المقالات والنقاشات حول سماحة الإسلام أو السلفية أو ما إلى ذلك. ولكن ما هو السر وراء القدرة الخطابية المهولة للصورة أمام الكلمة؟
السر يكمن في تأثرنا الكبير بالحكايات، فنحن البشر كائنات حكواتية بالفطرة، نحب القصص ونتأثر بها بشكل يفوق قدرة أي حجة عقلانية على التأثير وسأشرح بعد قليل لماذا.
حين نشاهد الصورة نحن لا نشاهد صورة جامدة فحسب، بل نحاكي في مخيلتنا كل السيناريوهات المحتملة وهذه المحاكاة التخيلية هي بالضبط ما يجعلنا هدفاً سهلاً للقصص، ولذلك ليس عجباً أن تكون القصة من أحد أهم أساليب الإقناع والتأثير من فجر التاريخ، فالنصوص المقدسة القديمة بما فيها الكتب السماوية وكذلك جواهر الحكمة التي تفخر بها الشعوب وترمز بها لتاريخها، كلها مليئة بالحكايات والقصص. وعلى الرغم من اختلاف أهداف هذه الحكايات فيما تريد أن تقنعنا به، إلا أنها تشترك في قدرتها الباهرة على التأثير وإثارة العواطف والأفكار، فالقدرة الخطابية المهولة للصورة إذن ليست إلا أحد تجليات هذه الظاهرة، تأثرنا الشديد بالقصص.
في تجربة أجريت في جامعة بنسلفينيا لبحث ما الذي يدفع الناس للتبرع، وزعت عينة أعطيت خمسة دولارات إلى مجموعتين، المطلوب من المجموعتين هو أن تتبرع بالمجال لمنظمة خيرية تعتني بالأطفال حول العالم، المجموعة الأولى تقرأ اللوحة التالية «نقص الطعام في مالاوي يؤثر على أكثر من 3 ملايين طفل .. في زومبيا وبسبب الأمطار الكثيفة يقل إنتاج الذرة بنسبة 42٪ منذ العام 2000 ونتيجة لهذا هناك ما يقدر بثلاثة ملايين زمبابوي يواجهون الجوع …(بتصرف)، من معلومات واضحة وصادمة بخصوص مآسي العالم.
أما المجموعة الثانية فتقرأ اللوحة التالية - والمرفقة بصورة طفلة ، روكيا، عمرها 7 سنوات من مالي، فقيرة للغاية وتواجه خطر الجوع الشديد، بل الموت جوعاً، حياتها ستتغير بفضل تبرعاتك، منظمتنا ستظل مع عائلة روكيا والمجتمع من حولها من أجل توفير طعام أفضل، وتعليم أفضل وعناية صحية أفضل كذلك. (بتصرف). في النتيجة، كان متوسط التبرعات في العينة الأولى 1.16 دولار، فيما كان في اللوحة الثانية 2.83 دولار. هذه التجربة العابرة لا تذكرنا بأثر الصورة والقصة في دفع مشاعر التعاطف فينا فحسب، بل تذكرنا كذلك بأن «إفجاع» الناس أو إخبارهم بالمعلومات والحقائق المجردة قد لا يؤدي للنتائج المرجوة منها.
نستطيع بثقة أن نستفيد من نتائج التجربة على أسلوب الصورة في الشبكات الاجتماعية، خصوصا في الحملات الخيرية، فالصورة الصادمة والمليئة بالدماء وكل ما لا يتحمله الإنسان قد لا تدفع الإنسان بالضرورة للتعاطف المثمر. وهذا الكلام ينطبق علينا، خصوصاً حين نرى التغطيات المصورة للثورات أو الحروب القريبة منا فنشعر بالعجز الشديد تجاهها. بالمقابل، حين يتم استغلال القصص المصورة - التي «تحكي» أكثر مما تفجع - في تغطية الحدث نجد أن مستوى الرواج والتعاطف كذلك كبير - والأهم من ذلك - لا ينسى بسرعة.
فلماذا تؤثر فينا القصص إلى هذا الحد؟ هناك على الأقل سببان بيولوجيان لذلك، السبب الأول هو أننا حين نقرأ حكاية ما أو نرى صورة تروي حكاية، لا تنشط المناطق اللغوية أو البصرية في أدمغتنا فحسب، بل تنشط مناطق أخرى إضافية بغرض المحاكاة، فنحن نعيش تجربة، أو نحاكي حدثاً ما ونتأثر معه. نحن نضع أنفسنا وسط الحكاية ونحاول تخيل ما الذي يحصل لنا كذلك، وهذا النشاط ولا شك ليس مباشراً على الإطلاق.
أما السبب الآخر، فهو أن النشاط العصبي في دماغ الراوي - حين يروي الحكاية - يتزامن إلى حد كبير مع دماغ المستمع الذي يتفاعل معها، معنى هذا أننا حين نشارك تجربة المحاكاة التخيلية مع الآخرين فنحن نعيش نسبياً نفس الظروف، ولعل هذا ما يجعل من رواية الحكايات نشاطاً اجتماعياً بالدرجة الأولى، فالقادرون على سرد الحكايات والنكت والقصص الطريفة لديهم قدرات اجتماعية جبارة في التأثير على الناس تفوق أولئك العاجزين عن ذلك، فلا ريب إذن أن أسلوب القصص (سواء القصص المحزنة أو القصص الطريفة) كان أحد أهم أساليب الوعاظ والدعاة في جذب الناس خلال مرحلة الصحوة، فلا أدري كيف يعيش في تلك الفترة من يجهل «قصة التائب أحمد» أو لم يحضر محاضرة لسليمان الجبيلان (والمليئة بالنكت والقصص الطريفة بالطبع).
يبقى الكثير مما يمكن أن يكتب حول أثر الصورة وقدرتها البلاغية على حسم الكثير، وقد ركزت في مقالتي هذه على القدرة القصصية المهولة للصورة، ولعل هذا أفضل ما يمكن أن أختم به المقالة، حيث أنصح كل المعنيين بالحملات العامة مثل التوعية بالعدوان الصهيوني على غزة، بأن يأخذوا هذا بالحسبان. لا تعتقدوا أن صور الضحايا المليئة بالدماء والجثث ستؤدي الأثر المرجو منها، فقد أصبح لدى الناس جفاف أو ضمور تجاه هذا النوع من المحتوى نظراً لكثرة التعرض له. بدلاً من ذلك، ابحثوا عن القصص والحكايات، والتقطوها وانشروها للعالم أجمع، فهي التي تثير التعاطف المثمر وهي وحدها التي ترسخ في الذاكرة وتبقى إرثاً مصوراً شاهداً للأجيال القادمة.