حينما نلقي نظرة عامة على مواطن الصراعات نجد أن للشباب السعودي حضوراً في بعضها، وسبب ذلك هو وجود من يروّج للجهاد من منطلق فهم ضيق لا يأخذ بالاعتبار ما يترتب على دعوته من تداعيات، ويعمد إلى توظيف النصوص الشرعية لخدمة رؤيته، مع استثارة الهمم بالحديث عن هوان المسلمين وضعفهم، وتعرضهم للخطر، ومن ثم تمرير فكرة أنه لا حل ولا مخرج إلا بالذهاب للقتال، ويكون التركيز على صغار السن من الشباب، فهم أكثر تأثرا وقبولا لأي منهج فكري جديد، لمحدودية تجربتهم الحياتية، وضآلة علمهم بالشرع ومقاصده.
الحقيقة أن الكثير ممن ينساقون خلف دعوات الخروج للقتال ينكشف لهم زيف ما سمعوا وما صدّقوا حالما يصلون للمواقع التي تدور فيها رحى الحرب، لكن وقتئذ يكون قد فات الأوان وبات التراجع والتقدم سيان. ولقد وصل الأمر إلى انشغال فئات بالقتال فيما بينها، مع أنهم جميعا يدّعون محاربة العدو، كما يزعمون أنهم على الحق المبين.
إن من يخرجون من وطنهم إلى أماكن الفتن والقتل، تلبية لنداءات من يدّعون العلم الديني، يجعلون أنفسهم وقودا للنزاعات الطائفية المقيتة، ومن لم يُقتل يصبح في يوم من الأيام قابعاً في المعتقلات، عرضة للتعذيب والإهانات، ثم إنهم يضعون أهليهم في مأزق ومأساة، خاصة من لديه أم تكفكف دموعها آناء الليل وأطراف النهار، لا تملك سوى الدعاء على من غرر بفلذة كبدها، فحرمها لذة الدنيا وطيب العيش، بل إن الأمر يصل تأثيره للوطن الذي يحاول إرجاعهم وانتشالهم من براثن التيه، ووحل الفتن الموبقة.
الغريب في هذا الشأن أننا لم نسمع أن أحدا ممن ينتمون إلى تيار المحرضين للجهاد، قد بادر بنفسه وذهب ليقاتل أو أرسل أحد أبنائه الأعزاء على قلبه، فالوضع الطبيعي أنه عندما يرشد الفرد الناس لأمر فيه خير وصلاح يكون أول من يأتمر بما يقول، حتى يصير قدوة يحتذي به من وجه لهم النصح، لكن الآمر هنا يستثني نفسه ويسوق التبريرات والأعذار التي تجعل مهمته مقتصرة على التحريض، ربما لأنه يرى نفسه العنصر الأهم الذي بفقدانه يضيع كل شيء.
إن الوضع يحتم التأسيس لجيل واع، يفكر ويُعمل عقله وبصيرته، ليتبيّن الرشد من الغي، ويرجع لولاة أمره والراسخين في العلم من العلماء، كي لا يصبح ضحية أهواء ونزاعات طائفية وسياسية ما أنزل الله بها من سلطان.
من غرر بالشباب باسم الجهاد؟
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
