الذين يهددون استقرار بلادنا بإثارة الفتن والخلافات والتخرصات والتصنيفات، من الذين يقودون الخطاب التعليمي الأولي والأكاديمي، والديني (الرسمي والدعوي) في مؤسسات بلادنا، هم الخطر(الأكبر) الذي يجب أن نواجه فعلهم بكثير من الحرص والحذر والحزم، لما تشكله دلائل خطاباتهم من تأثير بالغ على الذهنية الجمعية.
أطياف كثيرة من هذه الفئات (المؤثرة) المتسلطة داخل مجتمعنا (ماخذين) راحتهم الكاملة في تصدير التطرف والإقصاء والتعصب، مما زادهم عنتا وعنفا، لتأكل نارهم أعواد الغضا الفتية من شبابنا في براري تويتر والفصول الدراسية والمنتديات الدعوية!
(طابت واستطابت.. خلاص): فالمدينة تسبح في هواء من (قار) الحرب المستعرة، والوقت لم يعد يسمح (بالفعل) لكثير من اللغط، فها هي دول تشكلت الآن من رحم تلك الخطابات المتشنجة.. وها هي دماء تراق بسيوف وأقلام وأفواه أصحاب تلك الخطابات (الداعشية)!.
ومما يثير الخوف – حقا - ليست تلك الخطابات التي تصدر من شخصيات عامة في شارعنا المحلي، ولكن الخوف - كله - عندما تضطلع شخصيات اعتبارية، تقود مؤسساتنا الدينية والتعليمية والتربوية والإعلامية بتلك الخطابات، لأنها بذلك الفعل تخون دينها وبلادها، بخطاب موتور لا يمثل غايات الدين الكبرى وسماحته واتساعه، ولا يحقق أقل أهداف الوعظ الحقيقي والتعليم الخالص.
فكان من الأجدر/ حفاظا على نقاء الدين وأمن الوطن، ألا يظل أصحاب خطابات العبث تلك في مؤسساتهم الحكومية، داخل دور الإفتاء والوعظ وفي المساجد والمدارس والجامعات.. (على أقل تقدير)، فهم (محسوبون) على كيان الدولة، وربما اكتسبت (قراراتهم) مشروعية في أذهان (الكثير).. يجب فعلا أن يلفظوا بعيدا عن المشهد العام، الذي فيه يسرحون ويمرحون، لأن انكفاءهم في كياناتهم الخاصة، يحررهم من شر نفوسهم الأمارة بالسوء للجميع على السواء.
يجب تنقية وتصفية مؤسساتنا (ذات التأثير على الذهنية الجمعية) من الذين امتهنوا حق دينهم عليهم وأمانة وطنهم، الذي حملها قادته في أعناقهم، من الذين تشتمل خطاباتهم على (مثل) تلك النداءات العابثة التي بدأ صداها يعود إلينا فيصعقنا، ومن هؤلاء النماذج الآتية:
1/ من يكفر بعضنا من أرباب العلم والمعرفة والأدب، وما أكثرهم، ممن كفروا وفسقوا وحكموا بالضلال والردة على رؤوس المنابر وفي قاعات الدرس وقنوات الإفتاء ووسائل التواصل العامة وكل من خالف فكرهم المتطرف، إذ ماذا ننتظر من مواطن (منا وفينا) سولت له نفسه بتكفير من يريد، والحكم بالقتل على من يريد؟؟ ماذا ننتظر؟ وهل ما زلنا ننتظر؟
2/ من تربطه أدنى علاقة بالتنظيم (الداعشي)، سواء من الذين ورطوا فتياننا بالهجرة إلى بلاد العراق والشام جهادا لأعداء الوهم، أو من الذين شاركوا بالفعل في الممارسات الجهادية هناك، أو الذين احتضنوا هؤلاء الإرهابيين بعد عودتهم وإصرارهم على إقامة الخلافة الإسلامية المنتظرة، أو الذين يظهرون تعاطفا معهم ونصرة لأفكارهم في جهاد كل كافر لا يدين بولاء لدينهم الجديد!
3/ من لا يزالون يتباكون على (الإخوان) وسقوطهم أمام قوة العقل والحكمة في أرض الكنانة، ممن لا يزالون يتغنون (برابعة) وساحتها الجهادية.
والحقيقة أن (الإخوان) هم (القاعدة) وهم (داعش) وكل الجماعات الدينية الجهادية المتطرفة.. سلسلة متسقة منذ (سيد قطب) وحتى (الزرقاوي)! ماذا ننتظر من أستاذ جامعي يصرخ في الفضاء التويتري، منددا بالإعانات التي قدمتها دولتنا الراشدة لحكومة مصر الجديدة، ومتباكيا على سقوط مرسي وأتباعه؟
4/ من يدندنون دائما على وتر الطائفية من أنصار السنة أو الشيعة لدينا.. ليزيدوا الفجوة اتساعا تزخر بالحقد والعداء، ويعلنوا عدم شرعية مواطنة إحدى الطائفتين في بلادنا (بتكفيرها ولعن رموزها وقادتها وشيوخها على الملأ)!.
5/ من ينتظرون الفعاليات الثقافية التي تقيمها بلادنا بين الحين والآخر، لتخريبها والاعتداء على المشاركين فيها، كما يحدث عادة في معارض الكتاب والمسرحيات والأمسيات الشعرية.. أيضا ماذا ننتظر من الذين يثيرون العنف ويرفعون رايات التكفير والإلحاد في أسمى الفضاءات، التي تنتصب أروقتها لزف الكاتب والشاعر والفنان، أو لتحتفي بفن أدبي هنا أو هناك.. وماذا نتوقع أن يفعلوا في فضاءات أخرى أقل سموا وهدوءا و(بشرية)؟
وأخيرا: حاسبوهم، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم.. فإنهم قد أسهموا في تعطيل حياتنا وتأخير حضارتنا، وتشويه (سمعتنا) فوق الأرض.. فمن أمن العقوبة أساء الأدب، ومن أمن العقوبة انتبذ من وطنه مكانا قصيا، ليسهم في إقامة دولة (الخلافة الجديدة)!.. من أمن العقوبة استبد به غروره الآثم، ليجعل من نفسه سيفا مسلطا على رقاب العباد.. (ابتداء من أولي القربى.. نحن)!