عادة ما يرتبط مصير الأحباء ببعضهم، ولكن ماذا عن الأعداء؟ هذا ربما يحدث أيضاً.. «مناقضات جرير والفرزدق» هي الأشهر في تاريخ الشعر العربي، وقد بلغ هجاء جرير من القوة بحيث أجبر كل بني نمير (قبيلة الفرزدق) على التنصل من نسبهم، فكانوا كلما سُئلوا، قالوا: نحن من بني عامر (الجد الأكبر)، وذلك بسبب أن جرير كان في صراع مع الفرزدق كما هو معلوم فأتى «الراعي النميري» الشاعر، وهو من أصدقاء الفرزدق، وهجا جريراً، فاستوقفه الأخير وقال له ما معناه «خليك في حالك»، فجاء ابن الأعرابي وشتم جريراً، فقرر الأخير أن يُشهر بالجميع عبر التاريخ، فقضى ليلته ينظم قصيدة (من 97 بيتاً) دوت كالقنبلة الزمنية في سماء الشعر العربي، وجاء فيها البيت الشهير: «فغض الطرف إنك من نُمير، فلا كعباً بلغت ولا كلاباً».. ورغم كل ذلك، حينما سمع جرير خبر موت الفرزدق، شعر أن نهايته قد اقتربت، لاقترانهما ببعضهما، وكتب في رثاء الفرزدق واحدة من أرق قصائد الرثاء العربي، وقال فيها: «لقد غادروا في اللحد من كان ينتمي.. إلى كل نجم في السماء محلقِ».. وبالفعل مات جرير بعد الفرزدق بأربعين يوماً!
وهذا يذكرنا بأمير الشعراء «أحمد شوقي» الذي عاش حياته في شد وجذب مع شاعر النيل «حافظ إبراهيم»، حتى إن شوقي نظم بيتاً، قائلاً: «أودعت إنسانا وكلبه وديعة، فضيعها الإنسان والكلب حافظ». فرد عليه حافظ قائلاً: «يقول الناس إن الشوق نار ولوعة، فما بال شوقي اليوم أصبح بارداً».. وعندما مات الأخير، عام 1932، رثاه شوقي بقصيدة مطلعها: «قد كنت أوثر أن تقول رثائي، يا مُنصف الموتى من الأحياء»، وكان أصغر منه بأربع سنوات ومات بعده بأربعة أشهر.
تكرر هذا بعد نصف قرن بالتمام والكمال، فعميد المسرح العربي «يوسف وهبي»، ورائد المسرح العربي «زكي طليمات»، عرف كل منهما الآخر بلقب «الصديق اللدود»، وكانت بينهما خلافات كثيرة طوال حياتيهما، وعندما رحل الأول عام 1982، لحقه الثاني بعد شهرين. والملاحظ أن «يوسف وهبي» كان أصغر من «زكي طليمات» بأربع سنوات أيضاً.. سبحان من له الدوام.
يا نعيش سوا يا نموت سوا
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
