لا يوجد أحد أكثر توحشا وعنفا ممن يضفي على أهواء توحشه وغرائز عنفه الأعمى طابعا دينيا، فيقتل من يقتل من الأبرياء وهو يعتقد أنه ينفذ إرادة الله تعالى وينتصر لدينه لا لغريزته البشرية أو أيديولوجيته المحدودة.
وليس أحد أكثر دموية وهمجية وفوضى في التاريخ الإنساني كله ممن يدعون أنهم ينطقون باسم الله ويحكمون بأمره ونهيه، وهم يلبسون ذلك بأهوائهم وشهواتهم. ولم يسئ إلى دين الله القويم الكافرون به والمنكرون له أكثر مما أساء إليه أمثال «داعش» ممن يريدون أن يرى العالم من دولتهم التي وصفوها بـ«الإسلامية» حرق الأسرى أحياء، وقتلهم بالآلاف، واسترقاق المخالفين لهم، واغتنام نسائهم.. إلخ.
كان مشهد إحراق الطيار الأردني الذي أسرته داعش، وهو حي، مشهدا فاجعا ومزلزلا في طول العالم وعرضه، ولكنه لم يكن مفاجئا، ولم يكن أكثر فجيعة – مثلا - من أحكام الرجم للنساء التي لا تنطبق عليها حتى التحوطات الشرعية عند الفقهاء، ومن سبي النساء اليزيديات، فضلا عن مشاهد الإعدام المتكررة.
وإن من المفارقة أن يكون ظهور داعش وهي ذروة الوحشية والعنف باسم الدين، في سياق الثورة على الاستبداد والطائفية؛ فهل يلوح داعش بالحرية المفقودة، أم بالسلم والتعايش والعدالة وحقوق الفرد ومبادئ الوطنية الحقة؟!
لكأن بشارا تمنى منقذا ينقذه، فكان داعش أعظم من أي أمنية تمناها، وأقدر على حل الأنشوطة الملتفة حول رقبته مما قدر له أنصاره وأصدقاؤه!
داعش قراءة محددة للإسلام وتوصيف معين له من زاوية استدلالية فقهية وعقدية تحمل التطرف والمغالاة والشذوذ، لكنها تدعي أنه أصدق تمثيلا له وأدق دلالة عليه، بل لا ترى – مثل أي فكر أصولي- فكرا يمثل الإسلام غير فكرها. وليس ينفع في ذمها ومحاصرة شرها، وصفها بالكفر وتجريدها من الإسلام؛ فذلك مذهب سهل وميسور، وقد بادر إليه بعض الفقهاء منذ ظهورها. أما المركب الصعب في مواجهتها، فهو تحصين الواقع الإسلامي ثقافيا عن إساغة أي استدلال ديني يتيح ظهور أمثال داعش.
الذين علقوا أفعال داعش المروعة على مؤامرات خارجية، يصبح داعش بموجبها صنيعة أعداء الإسلام، يشبهون من يواجه داعش بالتكفير، في سهولة مذهبهم وسطحيته، لكنهم وعوا ذلك أم لم يعوه، يحمون التطرف والتشدد والتحزب السياسي باسم الدين، ويقدمون قراءة للإسلام من خلال دولة داعشية لكن بعنف أقل أو عنف غير معلن، كما هو الحال في داعش.
لم تتبلور حتمية القضاء على داعش عالميا، كما تبلورت بعد خبر حرق الطيار الأردني الأسير. وإذا كان حرق داعش للأسير ينم - فيما ينم - عن تسلط فنائها الحتمي على وعيها، فإن عاقبة إجرامها ستلحق كل من يضفي على أهوائه وغرائزه الإجرامية والاستبدادية تبريرا دينيا، وستهزمه كما تهزم داعش، لأن النسبة إلى داعش أصبحت نسبة لنمط من الفكر وليس نسبة إلى جماعة أو منظمة تحمل هذا الاسم. لكن جرائم داعش – بعد ذلك كله - ليست في القتل والسبي والعدوان فقط، بل في خدمة أمريكا وإسرائيل، وفي خدمة الاستبداد والابتزاز والانحطاط الإنساني بكل معنى.

[email protected]