إشارة إلى المقال المنشور بصحيفة مكة بعنوان «تسعون عاماً من الاستيراد سؤال لمحافظ التحلية» المنشور في 16 شعبان 1435الموافق 14 يونيو 2014 – العدد رقم (153) للكاتب قينان الغامدي.
بداية أشكر الأستاذ قينان الغامدي على المعلومات التي أوردها في مقدمة مقاله لتوضيح أهمية التحلية في المملكة حاضراً ومستقبلاً، وإجابة على تساؤله الذي ختم به مقاله لشرح الأسباب عن عدم قيام صناعة لمحطات التحلية وقطع الغيار، وهل ستقوم أم نحن في غنى عنها.
ففي الحقيقة أن توطين صناعة تحلية مياه البحر من منظور المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، أنها «القدرة والإمكانية على تصميم وتطوير وتصنيع وتركيب وتشغيل وصيانة المعدات الضرورية لتحلية مياه البحر بالموارد المحلية وباستدامة اقتصادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والقدرة على المنافسة خارجيا».
ولتحقيق ذلك تم وضع خطة للوصول إلى هذا الهدف وفق معايير لقياس مستوى التقدم والنجاح، وتم تقسيم هذه العملية إلى عدة مجالات حسب القدرة والإمكانية كما يلي:
أولاً: توطين تشغيل وصيانة محطات التحلية، واستطاعت المؤسسة ولله الحمد أن ترفع نسبة السعودة في مجال التشغيل والصيانة الذاتية إلى (87%) وبلغت في بعض محطاتها (100%) وأصبحت لديها القدرة والإمكانية العالمية في هذا المجال، وتسعى حاليا إلى تطوير أبعاد أخرى ومجالات أخرى ومنها إقامة شراكات عالمية في هذا المجال لاستمرار التفاعل والإفادة والاستفادة من مميزات هذه الشركات.
ثانيا: توطين التصميم والتطوير لمعدات التحلية وهو أحد الأركان المهمة في توطين الصناعة والذي يتحقق عبر سلسلة من العمليات المتلاحقة لمجموعة كبيرة من المعارف وبراءات الاختراع للعديد من المعدات التي تتكامل لإنتاج المياه ومن خلال العديد من المجالات الهندسية ولاعتماد هذا العنصر على البحث العلمي والتجارب ولحاجته إلى قدرات بشرية ومادية متميزة لاحتكار العديد من الشركات العالمية له، فقد رأت المؤسسة إقامة شراكات استراتيجية للامتلاك والمشاركة في التصاميم، ونجحت المؤسسة في عقد اتفاقية للمشاركة في حقوق التصاميم الهندسية، وتم تصميم أكبر وحدة على مستوى العالم مشاركة بين المؤسسة وإحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في مجال التحلية، وقد دعت المؤسسة مجموعة من الأساتذة المتخصصين من جامعة الملك سعود للمشاركة في عملية نقل التقنية، وتم تصميم الوحدة بطاقة إنتاجية تصل (70) ألف متر مكعب يومياً وهي تعمل حاليا في محطات ينبع ولله الحمد.
أضف إلى ذلك أن المؤسسة لديها معهد متخصص وهو معهد الأبحاث وتحلية المياه بالجبيل، وبحمد الله وتوفيقه نتيجة للأبحاث التي قامت بها المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة تم الحصول على العديد من براءات الاختراع في عدة دول، كما حصلت المؤسسة على العديد من خطابات الثناء والتقدير على إنجازاتها، كذلك حصلت على العديد من الجوائز الدولية والمحلية نتيجة للجهود والدراسات التي قامت بها، كما أن الاهتمام الذي أولته المؤسسة للبحث العلمي قد أتى بثماره حيث حقق العديد من الإنجازات التي كان لها بفضل الله دور مهم في تخفيض تكلفة المياه المنتجة بشكل ملحوظ مع تحسين آلية العمل بتشغيل وصيانة المحطات من خلال إيجاد حلول فنية وعملية للمشاكل التي تعترض المحطات وكذلك إبراز جهود المؤسسة من خلال نشر أوراق بحثية متميزة في المحافل الدولية حتى غدت مشاركة منسوبي المؤسسة بأبحاث علمية لعرض نتائج الدراسات التي تقام بالمعهد إثراء حقيقيا لصناعة التحلية وتطويرها.
وبفضل من الله أولاً وأخيراً، ونتيجة للإنجازات التي تحققت في المعهد على مر السنوات الماضية والخبرات العلمية والعملية والتجهيزات والكفاءات البشرية المؤهلة فقد أقر أصحاب المعالي وزراء المياه في دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم الذي عقد في الكويت في 1425، اعتبار معهد أبحاث تحلية المياه المالحة بيت خبرة لدول مجلس التعاون الأعضاء وتكون له الأولوية في القيام بالأبحاث التي تحتاجها هذه الدول.
ثالثاً: توطين التصنيع والتركيب حيث تأتي عملية التصنيع والتركيب بعد عمليات التصميم والتطوير، وتحتاج هذه العملية إلى بنية تحتية قوية من المصانع والورش المتخصصة يشترك فيها القطاع الخاص والعديد من الجهات ذات العلاقة، وتعتبر المعايير الاقتصادية أو ما يعرف بالجدوى الاقتصادية أهم عامل في إقامتها واستمرارها.
وقد قامت المؤسسة بجهود كبيرة منذ 1998، حيث أنشأت شعبة التصنيع المحلي ضمن الهيكل الإداري للمؤسسة، وكان من أهم مهامها الأساسية تأهيل المصنعين المحليين وحصر قطع الغيار الممكن تصنيعها حسب إمكانات هذه المصانع، ولتحقيق الاستدامة والاستقرار للمستثمرين المحليين قامت المؤسسة بعمل اتفاقيات طويلة الأجل لتصنيع قطع الغيار مع المصانع المحلية، حيث تم عمل ثلاث اتفاقيات لتصنيع قطع الغيار الميكانيكية، كذلك قامت المؤسسة بعمل لقاءات مع المصنعين المحليين لتذليل كافة الصعوبات، وتم تعيين منسق للتصنيع في كل محطة لتسهيل عملية التواصل بين المؤسسة والمصانع المحلية.
من ناحية أخرى عملت المؤسسة بالتعاون مع لجنة القطاعات الاستراتيجية التي تضم (سابك- أرامكو- الكهرباء- معادن- غرفة الشرقية) على توحيد الجهود في مجال توطين الصناعة، حيث تم وضع قاعدة بيانات لقطع الغيار ومواصفاتها وكميات الاحتياج وعرضها على رجال الأعمال إضافة إلى نشر ثقافة التوطين والعمل على مخاطبة الجهات ذات العلاقة لتفعيل الأنظمة الخاصة بحماية المنتج المحلي، وقد أشادت اللجنة بتجربة المؤسسة وباقي القطاعات على جعل تجربة المؤسسة نموذجاً للعمل به.
ومن الجهود التي قامت بها المؤسسة توقيع مذكرة تفاهم مع الهيئة الملكية للجبيل وينبع لدعم وتشجيع مبادرة توطين الصناعات التحويلية المرتبطة بصناعة التحلية والصناعات الرئيسية والتي من أهم بنودها توفير البنية التحتية للاستثمار في مجال توطين الصناعة.
كما قامت المؤسسة بتنظيم الملتقى والمعرض الأول لأعمال المؤسسة مع القطاعات الصناعة المشابهة والمصنعين الوطنيين تحت شعار (فرص وإمكانيات تصنيع قطع الغيار محلياً)، والملتقى الثاني تحت شعار (من لا يصنع حاجاته يبدد ثرواته)، وكان الهدف من هذه الملتقيات هو وضع أسس عملية وصناعية وتجارية تعزز من مكانة الصناعة الوطنية ودعم مشاريع توطين صناعة قطع الغيار وبيان الجدوى الاقتصادية والفرص الاستثمارية المتاحة، وحث رجال الأعمال والمصنعين للاستثمار في هذا المجال وتذليل العوائق والعقبات لتحقيق توطين صناعة قطع الغيار، ويجري التحضير في المؤسسة لإقامة الملتقى الثالث مع بداية السنة الميلادية 2015.
وأود التوضيح أن أحد أهم غايات المؤسسة الاستراتيجية هو التنمية الاقتصادية بهدف المشاركة الفعالة في تطوير صناعة التحلية، ولذا توجهت المؤسسة للمصنعين المحليين لإعادة تصنيع ما يمكن تصنيعه من قطع الغيار المستورد من الخارج انطلاقاً من حسها الوطني للإسهام بدفع عجلة التصنيع المحلي، وكان من ثمرة هذا التعاون تصنيع أكثر من (3000) صنف، كما أن المؤسسة تعطي الأولوية للمصنع المحلي وتشجعه، وتوفر المعلومات والإحصاءات القيمة لتساعد المستثمر على اتخاذ القرار الناجح، والمختصون يعون قيمة هذه المعلومات، وخلاصة لتلك الجهود فقد تم تصنيع العديد من وحدات التحلية داخل المملكة كما شجعت العديد من رجال الأعمال على إقامة مصانع أساسية مثل مسابك لصب المعادن المقاومة للصدأ والتي تعتبر الخطوة الأولى لأي صناعة متكاملة، كذلك تشجيع المستثمرين في مجال صناعة أغشية التناضح العكسي وعقد شراكات مع المصنعين العالميين وستصبح قريبا هذه التقنية من تقنيات التحلية التي تصنع محلياً، كما تم توطين صناعة المضخات بنسبة 50% وتوطين صناعة المحولات الكهربائية بنسبة 30% والكيماويات بنسبة 10% وسوف تواصل المؤسسة في بذل أقصى جهودها لتوطين صناعة قطع الغيار والمعدات.
ختاماً لعل كاتبنا العزيز يتفق معنا أن دور القطاع الخاص في هذا الجانب دور حيوي وهام، وأنه لا يمكن أن تقوم صناعة محلية دون مشاركة القطاع الخاص، وعلى العموم فالمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة كانت وما زالت وستظل بمشيئة الله تدعم كل ما من شأنه نجاح التصنيع المحلي، ونضع يدنا في يد كاتبنا العزيز للدعوة لبناء صناعة محلية قوية في شتى المجالات.
* المدير العام لإدارة العلاقات العامة والصناعية والمتحدث الرسمي للمؤسسة