يقول الشاعر حسين فطاني أستاذ الأدب العربي عن العلاقات السعودية المصرية
فما نجد إلا مصر حين نعدها
وما مصر إلا نجد حين نعبر
إذا اجتمع الإسلام شع ضياؤه
يروي به الإسلام فالشرق يزهر
فلا زلتما للدين والعرب موئلا
يسوي صفوف المسلمين فتنصر
عقب تأسيس الجمهورية المصرية ما بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 التي قام بها الضباط الأحرار بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، مرت العلاقات السعودية المصرية بعدة مراحل منذ إقامتها، المرحلة الأولى مرحلة الصراع والتي كانت في عهد حكم جمال عبدالناصر، والتي كانت بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي اندلعت عام 1962 بين الموالين للملكية المتوكلية والموالين للجمهورية العربية اليمنية، حيث تلقى الإمام محمد البدر آخر حكام المملكة المتوكلية اليمنية الدعم من المملكة العربية السعودية، وتلقى الجمهوريون الدعم من جمهورية مصر العربية. ومرحلة الدعم في حرب عام 73، ومرحلة القطيعة أيضا ما بعد توقيع مصر اتفاقية السلام «كامب ديفيد» مع إسرائيل، وهاتان المرحلتان كانتا في عهد حكم الرئيس الراحل أنور السادات، ومرحلة التعاون هذه كانت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد تعاون البلدان على قدر عال من تقارب وجهات النظر في كثير من ملفات المنطقة، ومرحلة الركود في حكم الرئيس المعزول محمد مرسي. ولكن لعل ما يميز العلاقات السعودية المصرية عن غيرها أنها تتجاهل كافة الخلافات وتعود للتكاتف والتعاون في حال وجود خطر حقيقي على المنطقة.
جمهورية مصر العربية كانت ولا تزال صمام الأمان للمنطقة العربية واستقرارها، وعاملا مهما لاستقرار المنطقة، والرياض وإن عارضت الثورة الأولى فهذا يأتي حرصا منها على المحافظة على النظام العربي خاصة، فسقوط النظام العراقي أدى إلى إحداث فراغ في النظام العربي سمح لإيران بالتمدد في المنطقة، وهذا ما كانت تخشاه الرياض في حال سقوط القاهرة، كما أن وقوف السعودية بجانب ثورة الثلاثين من يونيو يأتي للمحافظة على مصر من الانزلاق إلى هاوية الحرب الأهلية، خاصة أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من ذلك بسبب الحشد والحشد المضاد عشية الثلاثين من يونيو، كما أن النظام الإخواني لم يتخذ أية خطوات من شأنها إنقاذ مصر.
وأما عن الدعم السعودي لمصر، فقد كان يأتي ليصب في صالح الشعب المصري بغض النظر عن النظام الحاكم، فقد دعمت السعودية مصر في فترة عهد الرئيس المعزول محمد مرسي بما يقدر بأربعة مليارات دولار، كما دعمتها ولا تزال في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.
ما بعد مرحلة الربيع العربي تشكلت تحالفات جديدة في المنطقة، إسرائيل وتركيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي جاءت الاتفاقية الغربية الإيرانية لترسم ملامح التحالف الإيراني الأمريكي الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تنفيذ الوثيقة السرية، والتي ستعود إيران بموجبها كما كانت شرطي الغرب في المنطقة، ولعل ما حدث في العراق من تعاون أمريكي إيراني للمحافظة على النظام الطائفي هناك يؤكد ذلك، والتحالف الأخير ما بين تركيا وإيران، فالدولة التركية التي تسعى إلى لعب دور إقليمي أكبر في المنطقة والتي فشلت في تطويع مصر واستخدامها لتحجيم النفوذ السعودي في المنطقة، لم تجد ما بعد سقوط النظام الإخواني في مصر وتحجيم دور الإخوان في الائتلاف السوري المعارض سوى إيران التي تشاركها أحلامها.
قمة الطائرة التي جمعت خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، حفظه الله، بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل أسابيع، تعود بأذهاننا إلى الخلف حيث قمة السفينة التي جمعت الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، والرئيس الأمريكي روزفلت، والتي كانت نقطة البداية للتحالف السعودي الأمريكي، ولذلك نجد أن زيارة الملك عبدالله السريعة المفاجئة إلى مصر والتي تأتي في وقت ظهر فيه على السطح التحالف الإيراني الأمريكي في المشهد العراقي، تتم قراءتها بأنها تأتي لتدشين التحالف السعودي المصري الذي عملت الرياض على تأسيسه منذ ثورة الثلاثين من يونيو التي أطاحت بنظام الإخوان المسلمين، أضف لذلك أن التحالف السعودي المصري الذي دشنه الملك عبدالله، حفظه الله، خلال زيارته المفاجئة والسريعة إلى العاصمة المصرية القاهرة، سوف يكون له بالغ الأثر في تغيير خارطة التحالف والتعاون في المنطقة العربية، وقد يكون النواة الأولى لتشكيل التحالف الخليجي العربي بعد أن أصبح مجلس التعاون الخليجي مليئا بالخلافات التي يتضح للمراقب أنها مرشحة للتصعيد لا للتهدئة، خاصة أن المدة المحددة لاتفاقية الرياض انتهت والدوحة لا تزال تمارس سياساتها القديمة.
الاتحاد الخليجي أصبح من الصعب قيامه خاصة في ظل هذه الخلافات، إضافة إلى وجود دول تسعى إلى التمرد على القرارات السعودية التي تعتبر الذراع السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي، وبعد عودة مصر إلى الصف العربي ما بعد الإطاحة بالنظام الإخواني يجب على الرياض أن تعيد التفكير بمجلس التعاون الخليجي الذي أصبح يشكل عبئا عليها أكثر من السابق، وأن تسعى إلى تأسيس مجلس استراتيجي يضم الدول الخليجية الراغبة في العمل المشترك بجانب عدد من الدول العربية.. مصر والأردن، ويكون من أولويات المجلس مواجهة المخططات والتحالفات التي تسعى إلى تقويض النظام العربي وزج المنطقة في دوامة الفوضى والعنف تمهيدا لتفكيكها وتقسيمها وفق خارطة الشرق الأوسط الجديد.
الرياض والقاهرة وتأسيس التحالف الخليجي العربي
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
