قادتني رجلاي إلى المنطقة التاريخية بجدة حيث المهرجان الثقافي هناك، والفعاليات المصاحبة لهذا التراث الجداوي الأصيل المضمخ بعبق الماضي، عندما تدلف من بوابتها القديمة تشعر أنك تشمّ عبق الآباء والأجداد، وهم يلوحون بأيديهم من على الرواشن مرحبين مسرورين، والأجمل تلك المباني العتيقة الضاربة في القدم، تخرج منها أنفاس البخور كسحابة صيف تتمنى ألا تنقشع.
تشاهد الباعة وهم يكتسون العمائم بطابعها التاريخي الجميل، يعرضون منتجاتهم بنسيج قلما تبصره في حي من الأحياء، إنها جدة عروس البحر، وقبلة المصطافين!
هنا مركاز العُمَد بعصيهم النادرة، وهناك البيت الحجازي المشعّ نضارة وزيا، والمقاهي الشعبية المتناثرة بينهما، ومما يبهرك أن كل ركن منها صبغ بأسماء الحارات، وكأن الحياة دبت إليها من جديد كتب على أبوابها هذا بيت أحمد باديب وهذا بيت نصيف وذاك بيت باعشن، تدرك أن من يقف على هذا الجمال نخبة من رجال جدة المخلصين الذين حافظوا على هذا الإرث النادر، ولم يزل بعض الناس يعيشون فيها ليزدادوا مع ذلك الجمال نورا على نور!
يمضي الوقت سريعا وأنت تتصفح ناصيتها، وحركة الزائرين من جميع فئات المجتمع يملؤون جنباتها أنسا تقرأ في وجوههم ملامح جدة الحاضر والماضي، وكل قطرة من أجسادهم الندية تفوح مسكا وطيبا، وعندما تقترب أكثر من المساجد خصوصا مسجد المعمار تسمع أصوات الله أكبر تسري مع ليل المآذن في شهر رمضان، لتكتمل هذه المنظومة الآسرة عقدا يتلألأ بجانبه بيت التراث والفنون حيث المحاضرات تستجر أيام الماضي وذكريات الأمس، إنه الهمس يجري ذؤابة بفوانيس جدة المعطرة بقناديل الفرح، معلنة بشغف عن مولد روايات أولاد الحارة و»ثمن التضحية» و»التوأمان»!
وحين خرجتُ من بوابتها الضخمة، اختلطت لدي المشاعر فرحا وحزنا! فرحا في مصافحة هذا الجمال، وحزنا لأني لم أشف غليلي بعد من عبق الزمان وياسمين المكان، وأثير النسمات يلعب بي يمنة ويسرة عندما كنت هناك قبيل لحظات!