يعتبر الالتزام بالقوانين وتطبيقها بكل صرامة من السمات الرئيسية للمجتمعات المتحضرة، وبطبيعة الحال انعكس ذلك على مستوى الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة للمجتمع، يقابله من جهة أخرى مساهمة فاعلة من الأفراد من خلال الامتثال لحكم القانون حتى بات كل تصرف مخالف لأحكام القانون مستهجنا ومرفوضا من العامة مما أدى إلى تعزيز مبدأ الالتزام لدى تلك المجتمعات، ولذلك نسمع ونرى كثيرا من الانبهار لدى أبناء المجتمعات العربية بشكل عام ولدى أبناء المجتمع السعودي على وجه الخصوص عند الحديث عن مشاهداتهم في الدول الغربية وكيفية التزام مواطنيها ومؤسساتها بتطبيق القانون، والحقيقة أن ذلك الالتزام يمكن رده إلى تنامي الوعي بضرورة الإلمام بقواعد القانون، لأنها الأساس الذي يحكم تصرفات الأفراد في المجتمع، لذا فإنه من الضروري والمنطقي أن يلمَّ كل المخاطبين بأحكام تلك القواعد سواء مواطنين أو مقيمين إلماماً عاماً بالقوانين التي تتبلور في معظمها حول تحديد حقوقهم وواجباتهم تجاه المجتمع بشكل عام أو تجاه غيرهم من الأفراد، وهذا الإلمام يأتي من منطلق مصلحة الفرد الخاصة التي يجب أن تتواءم بالضرورة مع المصالح الخاصة الأخرى لتكون النتيجة محصلة اسمها المصلحة العامة، التي يجب أن تقوم الدولة على حمايتها ورعايتها وهذا ما تحقق في تلك الدول.
والمتأمل في واقعنا يجد أننا نعيش أمية قانونية مركبة، فالكثير منا يجهل كثيرا ما هي حقوقه وواجباته، ولو سألت أحدا من أبناء مجتمعنا عن حقوقه وواجباته لسمعت عجبا، إذ إنه سيبني إجابته بناء على فهمه البسيط وثقافته الشخصية المحضة، التي بناها على ما يسمعه لا على ما يقرؤه ويفهمه من نصوص القانون. وربما يذهب بعيدا في تسبيب عدم إلمامه بالقواعد القانونية ويحمل الدولة أو بعض الجهات الرسمية مسؤولية عدم معرفته بالقانون، وهذا قول لا يستقيم وواقع الحال، إذ إن مسؤولية الدولة عن تحقق العلم بمضمون القانون تنتهي بمجرد نشره في الجريدة الرسمية.
وفي ظل هذه الأمية القانونية الشديدة بات الكل يتحدث عن الفساد، وكأن الكل فاسد، ولا يوجد صالح في المجتمع، وأيضا يتحدث الكل عن الإصلاح وضرورته، وكأن الكل مصلح ولا يوجد فاسد، وفي خضم هذا الطرح وجد الفاسدون مبتغاهم فأصبحوا يتحدثون عن الإصلاح لنفي تهمة الفساد عنهم، والحقيقة أن الفساد موجود في كل المجتمعات الإنسانية ولكنه يختلف من حيث الانتشار ودرجة التأثير من مجتمع إلى آخر.
والحديث عن الفساد يقودنا إلى الحديث عن سبب نشأته وأساس وجوده، فهو نتيجة طبيعية لمخالفة القواعد القانونية التي تحكم تصرفات الأفراد والجماعات في المجتمع، وبمعنى آخر يتعلق بالخروج على تلك القواعد لتحقيق مصلحة أو مصالح خاصة، لأن تلك القواعد في حال تطبيقها هي التي تحمي وتحقق بإذن الله المصلحة العامة.
لذا فإن الوعي والثقافة القانونية كلما كانت قوية في المجتمع اندحر الفساد وقل تعاطيه، فالعلم والمعرفة المسبقة أحرى إلى تطبيق أسلم للقانون، وأدعى إلى احترامه، وبالتالي عدم الخروج على أحكامه أو مخالفته، ثم إن تطبيق أحكام القانون لا يكفي أن يكون من قبل المحاكم أو أجهزة الشرطة أو الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة وحدها، بل لا بد للدور الحكومي من مساندة مجتمعية لن تتأتى بدون وجود وعي قانوني متنام يدعم سيادة القانون ويحقق معدلات أعلى من قيم النزاهة، وبالتالي القضاء على الفساد بكافة أشكاله وصوره.
الثقافة القانونية ومكافحة الفساد
بخيت آل غباش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
