الأرقام الرسمية التي تطالعنا في المؤسسات التركية والمنظمات والهيئات الدولية ما زالت تلتقي عند قناعة أن الصعود الاقتصادي التركي مستمر، وأن الإحصاءات التي وزعت أخيرا تشير إلى أن متوسط النمو القومي خلال السنوات الـ10 الأخيرة هو5 % وهو الرقم الذي يعني -حسب كثير من الخبراء الاقتصاديين والماليين- صعودا وازدهارا مستمرا رغم العديد من المشاكل والأزمات المالية والاقتصادية التي ضربت الاقتصاد التركي من الداخل في العامين الأخيرين والخضات السياسية والمالية التي تعصف بدول الجوار التركي وتنعكس مباشرة على تركيا واقتصادها.


مخاوف من تأثيرات محلية وإقليمية ودولية

حكومة رجب طيب إردوغان التي سجلت إنجازات اقتصادية إنمائية كبيرة في العقد الأخير تقول إنها متمسكة بسياسة المنازلة الاقتصادية والتجارية، على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، لكن معطيات سياسية وإنمائية كثيرة تتحدث عن أن العملية لن تكون بمثل هذه السهولة لأكثر من سبب محلي وإقليمي ودولي يؤثر مباشرة على الوضع التركي.
الخبراء الاقتصاديون الأتراك ومنهم مهفي ايلماز يرون مثلا أن مشاكل الاقتصاد العالمي وما يعانيه من ركود وجمود وتراجع ملحوظ.
لا بد أن تنعكس سلبا على تركيا إذا ما استمرت على ما هي عليه في الأعوام المقبلة.
هذا إلى جانب أن السيناريوهات الكثيرة المرسومة حول تراجع قوة ونفوذ تركيا الإقليمي بسبب سلبيات ما سمي بثورات الربيع العربي واهتزاز علاقاتها مع كثير من دول المنطقة ما زالت قائمة وتتفاعل على الأرض يوما بعد آخر.


الخروج من شريحة المديونين إلى الدائنين

خبراء ماليون كثر أتراك وأجانب يشهدون لحكومة العدالة والتنمية بنجاحها مثلا في موضوع خفض حجم الديون التركية حيث كانت نسبة 15 % من الموازنة تذهب إلى الديون الداخلية والخارجية وأن حكومة إردوغان سددت القسم الكبير من هذه الديون حيث تراجعت اليوم هذه النسبة إلى 3 %.
وأن الحديث الدائم حول قيمة الديون الداخلية والخارجية التركية لم يكن له أي مفعول لإضعافها وعزلها، بل على العكس من ذلك فتركيا خرجت من دائرة علاقاتها الدائمة التأزم مع البنك الدولي، وهي اليوم في عداد الدول الدائنة وليست المدينة.
البعض يتوقف عند نسبة العجز في الموازنة التركية الذي هو اليوم أقل من نسب 23 من أصل 28 دولة في الاتحاد الأوروبي الذي تسعى أنقرة للالتحاق به منذ عقود.
وأن احتياطي البنك المركزي التركي ارتفع خلال السنوات الـ10 الأخيرة من 22 مليار دولار إلى 134 مليار دولار وأن تركيا حظيت بالمرتبة الأولى في حجم تقديم المساعدات إلى الخارج هذا العام.


اقتصاد يواصل الصعود رغم الأزمات

قيادات العدالة والتنمية تصر على أن الاقتصاد التركي يواصل صعوده رغم كل الهزات الداخلية والإقليمية وأن العجز العام في الموازنة تراجع من 12 إلى 2 % فقط في السنوات الـ10 الأخيرة.
الرقم الذي تراهن عليه حكومة العدالة والتنمية لموازنة عام 2023 الذكرى المئوية الأولى لإعلان الدولة التركية الحديثة بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وخوض حروب الاستقلال هو تريليونا دولار بالمقارنة مع الرقم الحالي الذي لا يصل حتى إلى نصف هذا المبلغ.
وجهة نظر معارضة أخرى يقودها المقربون من المعارضة التركية يتحدثون باستمرار عن لعب حكومة إردوغان لورقة الخصخصة وبيع الأملاك العامة للقطاع الخاص وفتح الأبواب أمام الرأسمال الأجنبي ليتلاعب بالاقتصاد الوطني كما يشاء.
وكالة دعم وتمويل الاستثمارات التركية ترى من ناحيتها وفي تقريرها السنوي المفصل للعام 2013 أنه وبرغم الأزمات التي ضربت الاقتصاد التركي في العامين الأخيرين لأسباب داخلية وإقليمية فإنه واصل صعوده بين الدول الغنية في العالم لناحية الدخل القومي العام حيث انتقل من المرتبة الـ31 إلى الـ39 في قوته الاقتصادية، وإن نسبة النمو العام حافظت على موقعها رغم كثير من السلبيات وهي 4 % في العام المنصرم أيضا.


معالجة خضات تراجع الليرة والبورصة

ركزت وكالة دعم وتمويل الاستثمارات التركية في تقريرها على تراجع قيمة الليرة التركية في الأشهر الأخيرة بالمقارنة مع سعر صرف الدولار وهي تجاوزت نسبة 25% قبل شهرين ثم تراجعت إلى نسبة 15% في الأسابيع المنصرمة بالمقارنة مع أرقام ما قبل عامين في التواريخ نفسها.
كما أن أزمات ديسمبر المنصرم السياسية بين الحكومة وجماعة فتح الله غولان التي كانت سببا أساسيا في تراجع قيمة الليرة التركية وكذلك حجم الصادرات انعكست كذلك على سياسات المصرف المركزي التركي تدخل أمام تراجع قيمة الليرة وارتفاع نسب الفوائد، ما دفع إردوغان وحكومته لانتقاد سياسة المصرف المالية مطالبا بوضع حد لارتفاع قيمة الفوائد التي وصفها بأنها مصطنعة وتهدف لضرب الاقتصاد التركي من قبل بعض الجماعات في الداخل والخارج.
التقرير تحدث أيضا عن الزيادة والأعباء الطفيفة التي ستتحملها الموازنة والتي لا تصل إلى 0.2 %.
وأشار التقرير إلى تراجع أرقام حصة بورصة إسطنبول المالية في قطعة الجبن العالمية بالمقارنة مع عواصم أخرى وهي البورصة التي كانت تعد نفسها لتأخذ مكانها بين أهم المؤسسات العالمية لكن الرقم المعلن للعام المنصرم لم يتجاوز 196 مليون دولار من المجموع العام للبورصات في العالم والذي يصل إلى 65 تريليون دولار


تساؤلات حول مرحلة صعود إردوغان إلى الرئاسة

الخبراء الأتراك يلتقون عند نقطة أساسية في مستقبل الاقتصاد التركي وهي مرحلة ما بعد صعود رجب طيب إردوغان إلى قصر الرئاسة التركي والتغيرات في المناصب الحكومية والسياسية والإدارية، هل سيكون هناك فريق عمل جديد أم أنها ستكون تغييرات طفيفة فقط والخيار بالنسبة لهم هو الشق الثاني أي عدم المساس بكوادر وفرق العمل المشرفة على إدارة الاقتصاد التركي حتى لا يكون هناك مغامرة تقود نحو إعادة خلط الأوراق وطرح البرامج والخطط التي لا يستطيع الاقتصاد التركي تحملها كما يرى الاقتصادي سليمان يشار.
أصوات كثيرة ترى مثلا ضرورة بقاء الوزير المكلف بالملف الاقتصادي علي بابا جان في مكانه بعد رحيل إردوغان لأنه نجح في بناء منظومة علاقات قوية في الداخل والخارج تعطي الثقة بالاقتصاد.
ويرى الأكاديمي والمتخصص في السياسات المالية محفي ايلماز أن نسبة النمو في العام الحالي لن تقل سوى بفارق قليل جداً عن رقم 4% المتوقع، وأن أرقام البطالة والتضخم وتضرر الموازنة العامة لن تتأثر سوى بفارق قليل ضئيل، لكن المهم هو المرحلة السياسية المقبلة في 2015 التي ستشمل انتخابات نيابية عامة وتغييرات في القيادة السياسية.


مزيد من الارتباط بالاقتصاد الإقليمي والعالمي

الكاتب والخبير الاقتصادي يمان تورينر يقول أمام التحولات المالية والاقتصادي التركية في العامين الأخيرين باتت خصائص الاقتصاد التركي تعكس حقيقة ارتباطه بالاقتصاد الإقليمي والعالمي أكثر فأكثر واحتمال تعرضه للضربات الموجعة بسبب الخضات المالية والاقتصادية في الخارج وهي حقيقة تتعارض اليوم مع ما كانت تقوله دائماً قيادات العدالة والتنمية حول استقلال وتماسك الاقتصاد التركي واستقلاليته.
لكن تورينر يقول وعلى عكس ما يراه إردوغان إن رئيس المصرف المركزي التركي أردم باشجي نجح في امتصاص الأزمة المالية التي كانت تهدد تركيا في ديسمبر المنصرم بسبب شجاعته في عدم التدخل ماليا أمام تراجع قيمة الليرة إلا عند الضرورة أولا وفي تخفيض قيمة الفوائد بنسب ساعدت على الانفتاح مع التحولات المفاجئة وامتصاصها بأقل الخسائر والأشرار وحماية رقم الاحتياط النقدي الذي تراجع لأشهر ثم عاد إلى حالته الطبيعية حيث بقي الرقم هو 130 مليار دولار تقريبا.


استراتيجيات المدى المتوسط تحمي الاقتصاد

منظمة “سيتا” المقربة من الحكومة تقول في تقريرها السنوي هي الأخرى إن تركيا نجحت في تخطي المطبات والأزمات للعام وأثبتت أن استراتيجيات المدى المتوسط قادرة على حماية الاقتصاد، وإن البلاد تواصل جهودها لتخفيف أعباء أهم مادتين تؤثران على اقتصادها وارتباطها بالخارج والطاقة والمسألة الكردية التي تكلف أنقرة مليارات الدولارات من المصاريف سنويا.
معظم المراقبين المحايدين للاقتصاد يرون أن الطريق مفتوحة أمامه خصوصا بسبب التوتر السياسي والأمني المحيط به والذي يترك الكثيرين مثل إيران أمام ضرورة التعاون معه لتخفيف الحصار المفروض عليها عالميا، لكن المطلوب في الأشهر المقبلة تجاوزه الاستحقاقات السياسية والأمنية الكثيرة التي لا يمكن تجاهلها مثل وجود أكثر من مليون لاجئ سوري في تركيا وانتخابات تحتاج إلى موازنة خاصة.