»هو قفزةٌ مضيئةٌ في فراغ معتم«، هكذا يصف الشاعر عبدالمحسن يوسف الشعر، ابن جزيرة فرسان، الذي لا يفرّق بين النص الشعبي والفصيح، حيث يستجيب لنداء القصيدة الفاتنة في أي وقت، وعن الشعر ومناخاته ورأيه في الأندية الأدبية ينساب عبدالمحسن يوسف كشلال ضوء من نوافذ هذا الحوار.
1 ما المرحلة الذهبية التي تحنّ إليها في حياتك الصحفية تحديدًا؟
هي مرحلة (عكاظ) وتحديدًا مرحلة العمل في الملحق الثقافي الذي كان يصدر في 8 صفحات كل أسبوع ..وكذلك المرحلة التي كنت فيها مشرفا على العدد الأسبوعي بهذه الجريدة .. إنها أيام لا تتكرر أبدا .. أيام جميلة .. أحنُّ إليها كثيرًا.
2 أنت تكتب القصيدة الفصيحة والشعبية...ولكل منهما مميزات. من الذي يختار لها ثوبها أنت أم هي؟
سأستعير هنا مقولة نزار قباني: «القصيدة تكتبني .. ولست أنا الذي أكتبها « ..نعم .. القصيدة هي التي تهبط عليّ كما يهبط عصفور صغير على غصن، أو كما تهبط غيمة على كتف .. لهذا فإن القصيدة هي التي ترتدي الفستان الذي يعجبها، وأنا لست «خياطًا» لكي أنتقي لها فستانها ..وأنا لا أفرق بين قصيدة شعبية وقصيدة فصيحة، المهم ليس الشكل عندي وإنما الوهج الشعري.
من جهة ثانية، الشعر عندي هو ذلك الذي يضرم في روحك سعيرًا فاتنا ويضيء أقمارًا عصية على الانطفاء في أفق حياتك، الفرق لا يكمن في الشكل، وإنما في البوح الصادق، في الحرائق الجميلة التي يتركها النص سواء كان مكتوبًا بالفصحى أو كان مكتوبًا بالمحكي
3 ألديك مناخ محدد يحرضك على كتابة القصيدة؟
ليس ثمة ما يجبرني على كتابة القصيدة .. إنني أكتب استجابة لحالة ٍ ليس بوسعي وصفها، قد تبدأ من دندنة ٍ غامضة، من همهمة ٍ ملتبسة، لتستحيل نصًّا مكتملاً، بعد أن أنهيه أتساءل: هل أنا الذي كتبتُ هذا النص؟ منذ أن شرعتُ أكتب شعرًا لم أكتب من وحي مناخ معين، إذْ من الممكن أن أكتب قصيدة وأنا بين أطفالي وصخبهم ومرحهم العالي، إنني حين أستجيب لنداء القصيدة أنسى كل من حولي، أنسى الصخب والضجيج والحر والبرد والصمت والصوت .. وأعيش الحالة بكل تفاصيلها.
4 بنظرك لماذا لا تتمتع الأندية الأدبية بحضور جماهيري قوي في بلادنا ؟
لأنها انحازت للنخب المثقفة فقط ونسيت الجماهير، نسيت الناس وقضاياهم العميقة كما أدارت ظهرها لقضايا المجتمع، وأصبحت لا تستضيف إلا الدكتور الفلاني والأكاديمي العلاني وكأن الثقافة حكر على هؤلاء فقط .. إن أنديتنا بحاجة إلى الاقتراب من الناس، من قاع المجتمع، ومن الشباب والواعدين والواعدات، وأن تكف عن التشبث بذيول (الدالات)، هناك أسماء واعدة تحتاج إلى من يأخذ بيدها وهذا هو دور تلك الأندية .. طباعة واستضافة وسواها من المناشط .. تخيّل، إنني وعددا من الأصدقاء نبحث عمن يطبع لنا نصوصنا، ولا نجد! فيما تقوم هذه الأندية بطباعة كتب لبعض الكتاب المستهلكين من بعض البلدان العربية لأن القيمين على هذه الأندية لهم مصالح عند أولئك الديناصورات.
5 هناك من ينظر إلى الشعر الشعبي على أنه مؤامرة خطيرة ضد الفصحى ..ما رأيك ؟
قضية الشعر الشعبي أخذت وقتًا طويلاً، وأهدرت جهودًا كثيرة، وأظنها لم تُحسم حتى هذه اللحظة، ولقد قامت الدنيا ولم تقعد على القصيدة المكتوبة بالمحكي في كل البلدان العربية، نظرية المؤامرة كانت هي المحرك الأساس لكل تلك الهجمة، وهناك من صدر عن مصلحة خاصة، بمعنى أنه كان خائفًا على مكاسبه الشخصية : شهرته وذيوعه ونجوميته في الوسط الأدبي يراها بعينين ضيقتين مهددةً من ذيوع وشهرة ونجومية سواه في الشعر الشعبي! هناك نصوص فاتنة مكتوبة بالشعبي الجميل ومن حق الناس أن تستمتع بها، وتحبها وتحفظها لأنها قريبة من وعيها وذائقتها وواقعها وروحها ومشاعرها وحياتها اليومية .
6 هل تفكر في «المتلقي» لحظة الكتابة ؟ هل تهبط إليه لتحصل على رضاه؟
أبدًا ..لأن الشاعر الذي يكتب قصيدته وهو يفكر في المتلقي، ستأتي قصيدته متكلفة ومثقلة بالرياء العظيم، وهي بالتالي ليست مؤهلة للبقاء في الزمن، وسيكون الانطفاء السريع مصيرها لا محالة .. شخصيًا، لا أفكر في المتلقي لحظة الكتابة، لأن المتلقي يشكّل سلطة على النص، وهو بسلطته هذه سيجعلني أكتب وأمحو، وسيجعلني أنحني لرغباته، وأحمل همًّا لتفادي لاءاته الكثيرة التي لا تُحصى..إن شعاري الدائم هو :على المتلقي أن يرتقي إلى النص، وليس على النص أن يهبط إلى المتلقي.

