لا يزال موضوع حقوق الإنسان في السعودية يشكل هاجسا كبيرا للمسؤولين في الدولة ولمنظمات حقوق الإنسان على حد سواء. برغم الاهتمام الكبير بقضايا حقوق الإنسان وإرساء دعائم حماية هذه الحقوق من منطلق التزامها بتطبيق الشريعة الإسلامية.
ومن المؤسف حقا أن نرى الدلائل الدامغة على انتهاكات حقوق الإنسان في بلادنا وسط غياب كامل للقوانين الرادعة التي يمكن تطبيقها لحماية الضحايا الأبرياء.
ونشر فرع جمعية حقوق الإنسان في مكة المكرمة الأسبوع الماضي تقريرا جاء فيه أن العاملين في محطات إنتاج غاز الطهي يتعرضون للاستغلال وضياع الحقوق والاضطهاد وكل أنواع الإساءات التي تشكل خرقا فاضحا لحقوقهم الإنسانية.
وقال التقرير إن هؤلاء العمال يتعرضون لأسوأ أنواع المعاملات مقابل مرتبات ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع، كما أنهم يعملون في ظروف صعبة وفي بيئة عمل غير صحية ولساعات طويلة وأنهم يتعرضون للجزاءات الجزافية من فصل تعسفي وحسومات من الراتب الضئيل أصلا.
ولعل الحال نفسه ينطبق على الخادمات المنزليات فهن يعانين في صمت خلف الأبواب المغلقة دون أن تكون لديهن القدرة على الشكوى أو التذمر.
وليس لهؤلاء الخادمات الحرية لمقابلة الآخرين كما ليس لديهن الفرصة لبث شكواهن إلى أي جهة فيلتزمن الصمت ويلجأن إلى البكاء الصامت وهو أقسى أنواع الدموع.
ونحن في الغالب لا ندري بأحوالهن إلا عندما تنشر الصحف أو وسائل التواصل الاجتماعي صورا لهذه الأرواح البائسة، عندئذ فقط نأخذ بالنا لما يحدث لهن.
وبالطبع هناك ضحايا تجار التأشيرات الذين يرزحون تحت قيود العبودية فلا يستطيعون الحركة أو التنفس بدون إذن الكفيل الذي جاء بهم إلى هذه البلاد ليكونوا له مصدر رزق دائما من خلال الإتاوات التي يفرضها عليهم مقابل أي خدمة يطلبونها.
هذه فقط نماذج قليلة عن انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان يتم نشرها بعض الأحيان في الصحافة المحلية بدون حدوث أي خطوات جادة لوقفها أو التقليل من حجمها، بينما يقتضي الواجب أن يتم التعامل مع قضايا انتهاك حقوق الإنسان من الناحية القانونية والاجتماعية وبأسلوب إنساني يحفظ للإنسان كرامته وعزة نفسه.
وقد تأسست الجمعية السعودية لحقوق الإنسان عام 2005 ويقول نظامها الأساسي «إنها تهدف لحماية وتعزيز حقوق الإنسان وفقا للمواصفات الدولية، وتعزيز الوضع الجمعي والإسهام في تأكيد هذه الحقوق وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحة».
وفي رأيي المتواضع فإن مسألة عدم احترام حقوق الإنسان أو احتقارها بالكامل تعود إلى عدم وجود القوانين الواضحة وانعدام الشفافية في تطبيق الأنظمة والقوانين إن وجدت.
ولا أنكر أن هناك أنظمة وقوانين لحماية حقوق الإنسان لكنها على الورق فقط، وأن الكثيرين من الناس لا يعلمون أنه بإمكانهم التوجه نحو جمعية حقوق الإنسان لإنصافهم وإزاحة الظلم عنهم.
ومن الواضح أنه لا يوجد وعي كامل بمسألة حقوق الإنسان في المملكة، وأن كثيرا من المواطنين والمقيمين يجهلون أبسط حقوقهم وواجباتهم، ونتيجة لذلك تواصلت خروقات حقوق الإنسان في غياب القوانين الرادعة أو تجاهلها وعدم احترامها.
ومن هذا المنبر أناشد بإدخال مادة حقوق الإنسان في المدارس والجامعات والمعاهد العلمية والمؤسسات الأكاديمية، كما أطالب بتطبيق القوانين الصارمة على كل من يتجرأ وينتهك حقوق الإنسان. ويجب أن ننظم الحملات الشاملة والمستمرة لتوعية كل أفراد المجتمع بحقوقهم الإنسانية وأن يعرف كل الناس إلى أين يذهبون إذا تم انتهاك هذه الحقوق.
وفي هذا الصدد، فقد لاحظت أن بعض العمال والموظفين الذين يواجهون بعض المشكلات في أماكن عملهم يلجؤون إلى جمعية حقوق الإنسان بدلا من الذهاب إلى مكاتب العمل التي أنشئت في الأساس للمحافظة على حقوقهم ولتنفيذ القوانين العمالية السائدة في البلاد.
ويجب أن يعرف كل الناس أنه لا أحد فوق القانون وأن هناك أنظمة وقوانين كفيلة بضمان حقوقهم الإنسانية غير أنه في الوقت الحالي فإن هذه الأنظمة والقوانين ليست واضحة تماما وليست معروفة لكل الناس.
والملاحظ أن المقيمين هم أكثر القطاعات البشرية تعرضا لانتهاكات حقوق الإنسان وأن الكثيرين منهم يقبعون تحت رحمة الكفلاء الذين لا يعرفون أين يشتكونهم أو ماذا يفعلون بشأنهم خشية الافتئات عليهم وترحيلهم بعد حرمانهم من حقوقهم كافة.
وعلى وسائل الإعلام أن تواصل فضحها لانتهاكات حقوق الإنسان وأن تواصل توعيتها للجماهير بحقوقهم الإنسانية التي يكفلها القانون والنظام.
إن موضوع حقوق الإنسان لن يتحسن إلا في وجود إعلام قوي وفاعل يكون بمثابة الرقيب على أية خروقات وأعمال عنف غير مبررة ضد الضعفاء والمغلوب على أمرهم.
وقد قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله- إنه لن يسمح بالظلم ولن يتهاون فيه، كما أن حكومته تعمل أيضا على تأسيس مجتمع تسوده العدالة ويحترم حقوق الإنسان، وبشكل واضح قال الملك سلمان بن عبدالعزيز «كل فرد من رعيتنا يحس بظلم أو أن ظلما وقع عليه، يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها عن طريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا، وعلى كل موظف بالبريد والبرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي وأحفادي وأهل بيتي».
وأكد الملك مرارا وتكرارا على الوزراء والمسؤولين الحكوميين أن يعطوا الأولوية القصوى لرفاهية الإنسان في المملكة، وعزته وكرامته.
وكل ما نحتاجه أن يكون لدينا مجتمع حر تسوده العدالة وتحترم فيه الحقوق لكل الناس.