الفكرة تظل كامنة في صدر صاحبها حتى يصرح بها، ويأتي دور التلقّي بين “مع/ ضد” وهو مصير كل فكرة في الكون، ولا تعني قلة القبول خطأ الفكرة، ولا تعني وفرته صحتها، وليست هنا قضيتنا، بل قضيتنا في اتجاهات أخرى للأفكار. وفي رأيي إن من احترام الشخص لذاته ألا يخرج فكرته إلا وقد أشبعها تفكيرا وتمحيصا، ثم استقراء لحالات التلقي المتباينة بين أفهام البشر، فإذا نضجت؛ فكّر في طريقة عرضها وافية تجيب على كل السؤالات التي ربما تثيرها في ذات المتلقي، ويهيئ نفسه لشرح فكرته إذا استجدت سؤالات لم تدر بخلده، وهذا وارد دون شك. لكن إشكاليتنا اليوم تنشأ من تجاوز الكثيرين لمثاليات طرح الأفكار، فالعجلة واردة، وسبب العجلة في نظري توفر الوسيط الناقل للفكرة “وسائل التواصل الاجتماعي” ومنها “تويتر” الذي يطرح إشكالية أخرى تتمثل في عدد الكلمات التي تشرح الفكرة، وتهمل الكثير من السؤالات التي تنشأ بعد التلقي الأول، وهنا تقع الكوارث التويترية.
المؤسف في الأمر أن تلقّي الفكرة في التغريدة الأولى هو الأساس، ولو كتب صاحب الفكرة عشرات التغريدات بعدها لن يلتفت إليها إلا القلة، وتظل التغريدة الأولى تدور بين الأفهام الموافقة أو المشنعة، حتى تتشكل جبهتا “مع/ ضد” وتبدأ المناوشات التي تصل إلى حدود لم تكن في حسبان صاحب الفكرة، وهنا تنشأ إشكالات أخرى، إشكالية “طفولة الثقافة” التي تربّى عليها المجتمع، فلا خلاف بين فرقاء إلا والدولة ثالثهم، يستعديها أحدهم على الآخر، وهذا الاستصراخ للدولة صار شبيها بالنسق في ثقافتنا، والغريب ـ حقا ـ لماذا لا يلتفت المثقفون إلى صناعة أنساق أخرى تحتوي هذه الاختلافات التي تنشأ بين وقت وآخر، وتصيّرها إلى وجهات الصراع الفكري الإيجابي الذي ينتج الرؤى المتعددة والمتعايشة في ذات الوقت، ويدلل على وجود ثقافة تعددية محترمة تستوعب كل ما يطرح.
إن استقواء أحد الفرقاء بالجانب الرسمي الذي تمثله الدولة ضد خصمه، يدل بوضوح على هشاشة موقفه وضعف فكره وثقافته، فلو كان يملك حجة قوية لما يطرحه لما احتاج إلى الاستصراخ، فهل يظن الدولة ستفرض فكرته بالقوة على خصومه؟ أو ستجبرهم على الصمت ومناقشة أفكاره؟ أم ستحبسهم لأن تفكيرهم لا يطابق التفكير الرسمي؟
القارئ للخلافات الفكرية على “تويتر” خصوصا الأخيرة المتعلقة بالعدوان على غزة، يجد ما يندى له الجبين، فريق خالف السائد واتبع وجهة نظر معينة، وفريق أكبر شنّع عليهم هذا التوجه، واستمرت المناوشات، حتى بدأ التصنيف، وأطلقت المسميات الخاطئة، ثم تمادوا حتى بلغوا تصميم قائمة العار بالصور والأسماء بما لا تليق بمجتمع مثقف يتوسم فيه الكثيرون الخير للأمة، والمؤلم أن الأمر بلغ استصدار فتوى قال صاحبها بكفر المخالفين ـ والعياذ بالله ـ فتحرك الفريق الأول إلى استعداء السلطة على خصومه من خلال تغريدات وآراء في الصحف تلمح إلى الموقف الرسمي من قضية معينة، ومحاولة إلصاق توجهاتهم الفكرية بالفكر الرسمي، وفي هذا ما يكفي للدلالة على ضعف الحجة، وقلة الحيلة.
كلا الفريقين مخطئ دون شك، وقناة الحوار كافية لاستيعاب هذا الخلاف في وجهات النظر وتبيان سبب طرح الفكرة في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن متى ستصل ثقافتنا إلى مستوى النضج وتتخذ قنوات الحوار ميدانا لخلافاتها بعيدا عن التصنيف والاتهام والتخوين والتكفير، وبعيدا عن استعداء السلطة في كل خلاف يطرأ بين كتلتين فكريتين.
أنا على يقين بأن الدولة أكبر من أن تستجيب لمستعدٍ لها ضد مخالفي رأيه، ومن له مظلمة فأبواب القضاء مفتوحة، وقد أقرت الدولة أنظمة خاصة للجرائم الالكترونية وافية وشاملة، ولن تنحاز في أي قضية خلافية لطرف دون آخر، وليت عقلاء المثقفين يؤسسون لقنوات حوارية، عبر الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية والصالونات الخاصة تستوعب هذه الخلافات وتحلحلها أو توجهها إلى وجهات أنقى من وجهات “تويتر” الغوغائية.