في المشهد السوري اختلط الحابل بالنابل، أو كما يقال في المأثور الشعبي (اختلط سيلها بالأبطح ) للدرجة التي تجعل أكثر المحللين السياسيين دهاء، في حيرة من أمر تأكيدهم على التكتلات المتوافقة أو المتعارضة، ومعرفتهم بالسيناريوهات المحتملة للمشهد القادم المتعلق بإحدى تلك التكتلات (السيادينية)!هناك نجد أكثر من (جبهة النصرة) و(دولة العراق والشام-داعش) و(تنظيم القاعدة) و(أحرار سوريا)و(الج يش الحر)
وأول ما يخطر على بال المستقرئ لتلك التصنيفات هو صعوبة جمعها تحت لواء مسمى سياسي أو ديني محدد، فهي (جبهة) و(دولة) و(تنظيم) وجماعة و(جيش)
في الحالة نفسها
كما أن الأوضاع هناك مفتوحة على كافة احتمالات القراءة السياسية، فثمة من يقول إن (دولة العراق والشام) صنيعة خالصة للنظام السوري (البغيض)، على الرغم من تأكيد زعماء داعش على انتمائهم للتيار الإسلامي السني، الذي يرفض خطاب الجماعة الشيعية على الضفة الإسلامية المقابلة، لدرجة الحكم عليهم بالردة حينا والكفر أحيانا أخرى
ومن التداخلات العجيبة كذلك في المشهد الكلي أن قائد الجناح العسكري لداعش، هو ضابط بعثي(معتق) من بقايا النظام العراقي البائد، يقال إنه تبرأ بالكلية من الحزب ومبادئه وأهدافه!ومنذ البداية فإن قادة تنظيم القاعدة (المعرف أولا) يشيرون بأن (دولة داعش) انبثقت من رحم (القاعدة)، ولكنهم لم يلبثوا أن خرجوا عن حدود المسار (القاعدي)، فضلوا الطريق وأضلوا!ويؤكد ذلك الزعم بأن القائد الداعشي (البغدادي) رفض أن يطيع رغبة الظواهري في ضرورة فصل (دولة الشام) عن الدولة/الأصل (دولة العراق والشام)، بعدما سطع نجم (جبهة النصرة) في سوريا بزعامة (الجولاني)، الذي كانت له عندها ألف (شنة ورنة) هناك، بعد أن تبعه الكثير من الجهاديين (الجدد) من مختلف دول العالم العربي والإسلامي!واختلاف جنسيات الجهاديين هو ما كان يميز من -أول الحكاية- داعش التي كان جل أتباعها وجهادييها من العراقيين، عن (النصرة) التي اقتحم نشاطها الكثير المتنوع من الجنسيات الأخرى!وبعد
وبعد
وبعدكيف اقتحم شبابنا-نحن-هذه الأجواء بالغة التوتر والاضطراب، وهم يطلبون الجهاد تحت رايات (إسلامية) مشبوهة ومخترقة؟وما هو (الخبر) المؤكد الذي لديهم عن تلك التكتلات الغامضة، ليقرر بعضهم الانتماء إلى أحدها، في حين يفر الآخر إلى التكتل الآخر، وقد أوضحت التقارير بأن شبابنا تفاجؤوا بأنهم يقاتلون بعضهم في الليل البهيم، لتلك الساحات الصاخبة بالضجيج والعبث!أزعم أن الذي جعل شبابنا نهبا لتلك النداءات المتوحشة، هو ذاته الذي يدفع شبابنا (الآخرين) لاقتحام كل تلك الفضاءات الجديدة في شرق الدنيا وغربها، إذ تثبت الإحصائيات بين الحين والآخر عن حصول السعوديين دائما على المراكز المتقدمة في امتلاك أحدث ما تنتجه دور الأزياء والموضة في السوق العالمية (أولا بأول)، وفي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من (التويتر والفيس بوك والواتس آب وكيك والانستجرام)، وكل ما تنتجه الحضارة التقنية الرقمية من أجهزة وأنظمة (يظل استخدامنا لها سطحيا ومبتذلا)
لا فرق لدينا بين متحمس للقتال ومتحمس للكلام مادام أن (الحماس) هو المحرك لكافة الذهنيات
ولا شك بأن هذه الاستجابة النفسية (السريعة) هي نتاج ذهنية عاطفية انفعالية، تستجيب دائما لخطاب العاطفة الوجدانية، أكثر مما تولي أدنى اهتمام لخطاب العقل والحقيقة
هذا المشهد الشبابي العاطفي المحلي لدينا (عامة)، هو نتاج لافتقار آلية ذهنية صحيحة (قبل أن تستولي عليهم عاطفة الانفعال الحاد بعد ذلك)
ولا يخفى عليكم-بالطبع- الجهود الجبارة التي تبذلها لدينا الخطابات التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية في حدوث ذلك الغياب المدقع للذهنية القادرة على قراءة الأشياء والوقائع قراءة عقلية منطقية، تتمسك بإرثها الفكري وتستجيب بالضرورة لمتغيرات الحضارة العالمية
هذه العقول الفارغة (المعطلة) إما تكون لقمة سائغة لمتطرفين، يقودون أصحابها للقتل والضياع (بعيدا عن فهم المقاصد الحقيقية للدين العظيم)، أو لمتطرفين آخرين (أكثر بأسا وأسرا)، لطالما كانوا يمنحون هؤلاء الشباب الضوء الأخضر للهجرة إلى بلاد الشمال الصاخبة، لأن في هذه الهجرة تفريغا هائلا لطاقات هائلة من التطرف الديني والسياسي يجب أن تذهب بعيدا عن مدن البلح والملح، ثم لأن فيها طلبا للجهاد في سبيل الله المفضي إلى جنة الخلد، حتى ولو لم يتأكد ذلك المجاهد الغر أنه يقاتل مع أعدائه البعثيين!إننا نفقد -بذلك- شبابا آخرين يمكن أن يستفيد منهم آباؤهم ووطنهم ومجتمعهم، وسنفقدهم ونفقدهم، وتستمر تلك المآسي التي رأينا علاماتها في أعين الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن بسبب حصة دراسية
خرج فيها معلمها (المتحمس) عن النص، أو بسبب فتوى (تويترية) من (الشيوخ
قادة حضارة الأمة)، أو بسبب خطبة متشنجة في جمعة مباركة
سيستمر إنتاج ذلك الفقر الذهني المدقع، وتلك الاستجابة العاطفية لخطابات التطرف، ما لم (ننقِ) الخطابات التعليمية والدينية من شوائبها الانفعالية الخاطئة، وما لم نعط الاعتبار للخطابات الثقافية الخالصة المنتجة، ونضع بعض الخطابات المهيمنة الأخرى في مكانها الحقيقي، وما لم يصبح نجوم المجتمع أشخاصا (آخرين) غير لاعبي الكرة وشيوخ الفضائيات، في مقابل الغياب المرير للعلماء والمفكرين والمثقفين الحقيقيين الأحرار، الذين تنهض بخطابهم الحضاري الأمم والجماعات، في التاريخ الكوني الممتد مديدا
مديدا
يجب أن يعرف الجميع بدقة من غرر بشبابنا -بعد ذلك الاستغلال المرير لتلك العقول (المعطلة)، ومن شرع الأبواب (الأخيرة) لهم للخروج إلى مصائرهم المجهولة
حتى لا نجد (أحدا منا) يضطر -مع تواتر تلك المشاهد الساخنة- إلى أن يرسل ابنه لنهاية أليمة، فإما للذل حيا، أو للمجهول ميتا!
شبابنا بين (داعش) أو(نائش).. المهم هو الموت (الراعش)!
فيصل الجهني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
