لا أظن أن شعبا أو مجموعة سكانية عرفت من العدوان والظلم ما عرفه أهل فلسطين عموما وأهل غزة على وجه التحديد.
عاش سكان غزة مرارة الاحتلال وظلم اليهود منذ احتلال أرضهم سنة 1967م، وبعد انسحاب الإسرائيليين عاش أهل غزة صنوفا أخرى من العذاب، فحوصروا ومنعت عنهم أرزاقهم ومات مرضاهم على المعابر وفي المستشفيات بسبب عدم الحصول على الدواء ووسائل العلاج، ومات شبابهم في الأنفاق اختناقا واحتراقا وهدما وهم يبحثون عن حليب الأطفال وخبزهم.
ولم تكتف إسرائيل بكل هذا، فشنت عليهم حروبا منظمة خلال السنوات 2008 و2009 و2012، وأخيرا محرقتها الحالية سنة 2014 م، واستخدمت كل طاقاتها العسكرية التي تعد عادة لمواجهة الجيوش الجرارة، فلم توفر دبابة ولا طائرة ولا سفنا حربية ولا مدفعية ولا طائرات استطلاع ولا التكنولوجيا المتطورة التي منحتها لها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وكل هذا ضد من!؟ تستخدم كل هذا السلاح لحرق الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة وتدمير البيوت على ساكنيها.
وعلى الرغم من عدم تكافؤ موازين القوة بين إسرائيل وقوى المقاومة إلا أن إسرائيل تحرك كل وسائلها الإعلامية والسياسية لتزعم أنها تدافع عن نفسها وكأن الأطفال جنود نخبة، أو لكأن المقاومة تمتلك الدبابات والطائرات والصواريخ الأمريكية الصنع أو ربما أسلحة تدمير شامل.
وبعد أن يسقط المئات من الأطفال والنساء والشيوخ في غزة بسبب السلاح الأمريكي، يتذكر الرئيس الأمريكي أن هناك مأساة تحصل في غزة فيبدأ حديثه بالتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وأنه لا توجد أمة تقبل بأن تطلق عليها الصواريخ ثم يطلب بعد ذلك من إسرائيل التحلي بضبط النفس والتخفيف من الخسائر المدنية، وعلى نفس المنوال يسير الرئيس الفرنسي الذي أعلن تضامنه مع إسرائيل في الدفاع عن نفسها، أما بان كي مون فبعد أن أدان صواريخ المقاومة يطلب من إسرائيل العمل على تخفيف عدد الضحايا من المدنيين!.
لكن هؤلاء وغيرهم لم يفكروا في مسألتين جوهريتين وهما: أولا أنهم في الوقت الذين يؤكدون فيه على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ما هو موقفهم من حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم؟ أليسوا شعبا؟ أليسوا بشرا؟ أليس لهم أبناء؟ أليس من حقهم أن ينعموا بالأمن والحياة مثل باقي سكان العالم؟ أما الأمر الجوهري الآخر الذي غاب عن الغرب فهو أنه لا وجه للمقارنة بين القوة التي تمتلكها إسرائيل التي تمثل أحدث ما أنتجت مصانعهم وبين سلاح المقاومة، والنتيجة واضحة في حجم الدمار والقتل والإبادة التي حصلت في غزة، أما المقاومة فلا تملك سوى أسلحة بدائية محلية الصنع تأثيرها لا يقارن بما تحدثه الأسلحة الإسرائيلية الفتاكة.
ونسوا بعد ذلك أن إسرائيل (لها الحق) في أن تستورد وتصنع ما تشاء من أنواع الأسلحة، أما أهل غزة فمنع عنهم حتى حليب أطفالهم فكيف بما هو فوق ذلك؟ونسوا كذلك أن الإسرائيليين عندهم الملاجئ التي تقيهم خطر سلاح المقاومة أما صواريخ إسرائيل فتنزل مباشرة على أجساد الأطفال لتحولهم إلى أشلاء ممزقة.
فأين العدل وأين حقوق الإنسان التي ما فتئ الغرب يصم آذاننا بالحديث عنها وتهديد هذا البلد أو تدمير ذاك بحجة الدفاع عن تلك الحقوق؟وما هي وظيفة مجلس الأمن وما أهمية وجوده إذا كان لا يرى من حجم كارثة أهل غزة سوى إصدار بيان خجول لا يقدم ولا يؤخر يدعو الجانبين لوقف إطلاق النار؟ ونسي مجلس الأمن أو أعضاؤه أن هذه ليست حربا بين جانبين، بل هي عدوان من دولة تمتلك أحدث الأسلحة مقابل شعب أعزل لم يجد من يسانده أو يغيثه، فهل ينفعه بيان بارد لا يفرق بين الضحية وبين الجلاد؟هذه غزة المسكينة ترسل عليها إسرائيل حمم الصواريخ والقنابل لتحرق الأطفال وتبيد أسرا بأكملها ولا أحد يسألها أو يحاسبها.
ولكن المصيبة الأكبر ليست هنا فقط، فالمقاومة بين نار العدو وسلاحه المتطور ونار التثبيط والشماتة، بل إن بعض الأصوات لا تتوقف عن تحميل المقاومة مسؤولية العدوان الإسرائيلي على غزة، وفي هذا من الظلم والخذلان لأهلنا في غزة ما لا يخفى على عاقل، فكيف نحمل الضحية عدوان الظالم؟ وبالتأكيد هذا السلوك يفرح إسرائيل لأنه يمنحها صك براءة من جرائمها في غزة.
فبدل أن ننصرهم وقت الحاجة نلومهم وننحاز لنظرية العدو ومنهجه وطريقة تفكيره تجاههم.
إن إسرائيل ومن يدعمها هم الذين يتحملون المصائب والكوارث التي يتعرض لها أهل غزة، وهم الذين يتحملون كل هذه الأرواح البريئة وهذا الدمار والإبادة الجماعية التي يشاهدها العالم اليوم مباشرة بالصوت والصورة.
نعم قد نختلف مع هذا الفصيل أو ذاك فكريا أو سياسيا، لكن ذلك لا يبرر أن نلوم المقاومة في غزة ونحملها مسؤولية عدوان إسرائيل على أهل غزة، فإسرائيل لا تفرق بين طفل أو مقاوم ولا بين شاب أو مسن ولا بين رجل أو امرأة.
فحتى كتابة هذه السطور سقط أكثر من 300 شهيد فلسطيني في غزة أكثر من ربعهم من الأطفال، (ولا ننسى أن بنيامين نتنياهو يدعي أن جيشه هو الأكثر أخلاقية في العالم!).
وبالمناسبة فكل الضحايا أبرياء حتى الذين يسقطون في معركة مباشرة مع الجنود الإسرائيليين، لأنهم يدفعون عدوانا وغزاة أتوا لقتلهم وإبادة أطفالهم ونسائهم وتدمير منازلهم.
ولا ننسى قوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
فإذا لم ندعم أهلنا في غزة فأضعف الإيمان أن لا نبرئ إسرائيل المعتدية ونحمل الضحايا في غزة مسؤولية عدوان إسرائيل عليهم وظلمها لهم.
ومن أراد أن يتحدث عن المقاومة في غزة فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت).
اللهم فرج عن أهل غزة وانصرهم.
يا أهل غزة.. كان الله في عونكم
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
