منذ أحد عشر عاما وأمريكا تحاول المستحيل لإيقاف العراق على رجليه بعد أن انهارت بنياته الأساسية وتفككت مفاصله الحيوية، ولم يعد قادرا على الاستمرار في الحياة، ولكن دون جدوى!
شكلت له جيشا عرمرما بكامل عدته وعتاده ليمنع عنه الأعداء ويدافع عنه بدل جيشه الذي حل ودمر بقرار خاطئ منها، لكنه سقط في أول تجربة خاضها، وانهزم أمام قوة صغيرة في مشهد مخز ينم عن مدى خوائه الوطني، وضعف ارتباطه بأرضه وشعبه.. فلا هو استطاع أن يحد من نشاط الإرهاب والإرهابيين وهم يقوضون الاستقرار والأمن ويعرضون السلم الاجتماعي في البلد إلى الخطر، ولا هو صمد في وجه المجموعات المسلحة المتمردة وهي تكتسح أراضيه وتغزو مدنه.
وقد حرص الأمريكان أشد الحرص على مساعدة العراقيين في إنجاح تجربتهم الجديدة وتأسيس دولتهم الديمقراطية، فكتبوا لهم دستورا نظاميا معتبرا وبرنامجا سياسيا فعالا ليسيروا على هداه وينظموا من خلاله حياة تليق ببشر، ويقيموا دولة محترمة ذات كيان مستقل وسيادة تحافظ على حقوق الإنسان وتصون كرامته، كباقي دول العالم، ولكن «المتعوس متعوس ولو علقوا على رأسه فانوس»، وبدل أن يستغلوا الفرصة لترتيب بيتهم الداخلي ولم شملهم «الوطني» المبعثر، ويتفقوا على كلمة سواء فيما بينهم، ويستفيدوا من وجود الأمريكان في بلدهم لإقامة نظام ديمقراطي متطور وبناء مؤسسات علمية راقية، راحوا يثيرون الأزمات والمشاكل الجانبية ويخوضون في حروب وصراعات طائفية وعرقية دموية، راح ضحيتها الكثير من الأبرياء.
كان في نية الأحزاب الشيعية وحزب الدعوة الحاكم على وجه الخصوص في أول يوم من اعتلائه الحكم أن يعيد العراق إلى القمع والديكتاتورية وإخضاع القوى السياسية الأخرى الرئيسة في البلاد إلى سلطته وسياسته الطائفية، وقد استخدم في سبيل الوصول إلى هذا الهدف كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، استغل المحاكم ومؤسسات القضاء والقضاة وموارد الدولة وميزانيتها الضخمة والميليشيات الطائفية المسلحة ومواد الدستور لإقصاء وضرب خصومه السياسيين في الصميم، وقد نجح إلى حد بعيد في إبعادهم عن المسرح السياسي للبلاد، ومن أشهر وأخطر مواد الدستور التي استغلها واستخدمها زعيم حزب الدعوة «المالكي» لزج الآلاف من المعارضين من عرب السنة في غياهب السجون السرية المادة «أربعة» أرهاب السيئة الصيت، وقد اختار المالكي هذه المادة بعناية ودقة فائقة، لأنها مادة «فضفاضة من السهولة بمكان إلصاقها بأي شخص يراد تصفيته سياسيا أو إنهاء مستقبله السياسي»، كما فعل مع طارق الهاشمي وعدنان الدليمي ومحمد الدايني وغيرهم الكثير.. وظل «المالكي» يستخدم هذه المادة المثيرة للجدل ويشهرها بوجه خصومه متى لزم الأمر، ولكن المواد الدستورية الأخرى التي تدعو إلى الشراكة السياسية وتقسيم السلطة وتحديد صلاحيات رئيس الوزراء ووضع النظام الداخلي لمجلس الوزراء وتعزيز دور البرلمان الرقابي، والمادة (119) التي تدعو إلى اللامركزية والحكم المحلي المستقل بعيدا عن تحكمات الحكومة المركزية الشديدة التي كانت سببا أساسيا في تعاسة العراقيين لعقود، وكذلك المادة (140) التي تعالج المشكلة التاريخية بين الأكراد والحكومات العراقية المتعاقبة وتضع حدا للصراع الدامي بينهما وتعيد الأراضي المغتصبة لأهلها الشرعيين ومن ضمنها مدينة كركوك الغنية بالنفط، وكذلك المواد الدستورية المتعلقة بالنفط والغاز وغيرها، فإنه قد عطلها وركنها جانبا.
وفي ظل استمرار حكومة المالكي في تجاهل الدعوات المطالبة بإصلاح العملية السياسية وتطبيق الدستور بدون انتقائية ونبذ تكريس السياسة الطائفية وإنهاء التبعية لإيران وعدم الدخول في محاور إقليمية على أساس طائفي، تنامى شعور لدى المكونين الأساسيين «الكرد والسنة» اللذين خاض المالكي ضدهما معارك ضارية لا هوادة فيها، بأن البلد سائر نحو التقسيم والتفتيت لا محالة، ومن المستحيل التعايش مع عقليات طائفية تريد إعادة الحكم الدكتاتوري القمعي إلى البلاد، فتركا الشعارات الرنانة حول الوطن والوطنية ووحدة الأراضي العراقية التي طالما خدع حكام بغداد الشعوب العراقية بها، وطالبا بتغيير النهج السياسي للأحزاب الشيعية الحاكمة وليس فقط تغيير الوجوه، فلا يوجد فرق كبير بين سياسة «حسين الشهرستاني» أو «حنان الفتلاوي» أو «خضير الخزاعي» أو أي واحد من التحالف الشيعي وبين سياسة «المالكي».. كلهم يمثلون فكرة واحدة وينطلقون من مشكاة واحدة، فلا يوجد في السلطة حزب شيعي علماني، ولا يسمح لأي حزب شيعي أن يشارك في الحكم ما لم يكن دينيا متطرفا، وكذلك خاضعا ومواليا لطهران ومؤيدا للنظام السوري المجرم ويبدي عداء واضحا للدول العربية والخليجية.. ورغم التغيير الجاري في بعض الوجوه في التشكيلة الوزارية الجديدة، فأنا لست متفائلا بحدوث نقلة نوعية في السياسة العراقية القادمة التي ما زالت أسيرة التجاذبات الطائفية وغير قادرة على الخروج من التبعية الإقليمية.