التبجح بات سيد الموقف، في تصاعد القتال الوحشي بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، في ظل الجهود المبذولة، التي لا تمتلك من عناصر القوة شيئا، للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار.
الآن الجمود راسخ، فالحصار الذي يصيب غزة بالشلل قائم، وحماس تصر على مواصلة إطلاق الصواريخ دون تأثير فعلي، فيما تؤكد إسرائيل استمرار الحصار لمنع حماس من الحصول على مزيد من الأسلحة.
ليس ثمة ضغط كاف على طرفي النزاع لوقف القتال، حتى في غزة، حيث قتل أكثر من 1200 فلسطيني معظمهم من المدنيين، وسط دمار شامل عم مناطق واسعة من القطاع الساحلي.
حماس رفضت مبادرة مصرية لوقف إطلاق النار تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الجولة الحالية من القتال، فيما قبلتها إسرائيل.
قرار الرفض لم يتعرض إلى كثير انتقاد داخل غزة، الأمر يعود إلى كراهية الحصار البري والبحري والجوي الذي تفرضه إسرائيل، وقد يكون، ربما، خوفا من حماس.
مساعي التوسط التي قادها جون كيري الأسبوع الماضي تبددت وسط جنون انتقادات غير لائقة من إسرائيل لوزير الخارجية الأمريكي، بعد أن تحدث عن ضرورة وضع مطالب حماس برفع الحصار عن القطاع على طاولة المفاوضات، وأيضا تجاهل مطالب إسرائيل الجديدة بنزع سلاح الجماعات المسلحة في القطاع.
لعل من المبكر جدا القول إلى ما ستنتهي إليه الحرب والجهود الدبلوماسية تتواصل.
ثمة شعور متنام بعدم إطالة الحرب كثيرا لكن ومرة أخرى، قد يكون هذا محتملا جدا.
وهنا بعض احتمالات ما ستؤول إليه الحرب.
1 - إعلان إسرائيل الانتصار ثم تنسحب
يتحدث القادة الإسرائيليون في المجمل عن العملية البرية في غزة بأنها تستهدف تدمير الأنفاق التي أقامتها حماس أسفل الحدود مع إسرائيل، لأغراض هجومية.
وقال الجيش إنه عثر ودمر أكثر من 20 نفقا، ويعتقد أن هناك المزيد من هذه الأنفاق.
وما إن تنتهي هذه المهمة سيكون بمقدور إسرائيل الانسحاب وإعلان النصر أو حتى وقف إطلاق النار من جانب واحد.
والأمل سيكون في أن ذلك قد يدفع حماس، نتيجة الدمار الذي لحق بغزة، إلى إعادة التفكير بهدوء والقبول بالعودة إلى ما كانت عليه الحال قبل الحملة على غزة، وأن تتوقف عن إطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية، فيما تتوقف الغارات الجوية والقصف الإسرائيلي.
لكن ذلك قد لا يكون مجديا، فقد تسببت حماس في معاناة كبيرة لمواطني غزة ومن ثم فهم يشعرون دون شك بضرورة الحصول على مقابل كي يؤكدوا أن جهودهم لم تذهب سدى لتخفيف الحصار المفروض على القطاع.
ومن ثم سيتواصل إطلاق النار والصواريخ والاعتداءات سريعا.
وعلى الرغم من التحفظات الكبيرة، إلا أن إسرائيل قد تلجأ في نهاية المطاف إلى إعادة احتلال القطاع حتى وإن تكبدت مئات القتلى، وحينئذ ستثقل نفسها بعبء حكم قرابة مليوني مواطن فلسطيني في غزة.
وإذا ازداد الموقف سوءا، ستطرح سيناريوهات غير مطروقة نفسها على الساحة، بينها السماح بتدخل قوة من الناتو لتهدئة وإعادة بناء القطاع المدمر.
ربما لا يكون ذلك ضروريا، فصواريخ حماس ستنفد في نهاية الأمر، لكن حتى الآن يعتقد أن حماس تملك آلافا من هذه الصواريخ وستواصل إسرائيل غاراتها وسيتواصل الدمار لأسابيع.
2 - سيطرة السلطة على الحدود مع مصر
تريد حماس فك الحصار الذي فرضته إسرائيل بعدما فازت الحركة بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، وتهميشها من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم استيلائها على غزة عام 2007.
يمكن تصور بعض الأشياء البسيطة مثل السماح للصيادين بممارسة أنشطتهم في البحر، لكن إسرائيل لن تسمح بوصول حقيقي إلى البحر أو إلى المطار طالما أن حماس هي من يسيطر على القطاع.
ويكمن القلق في تدفق صواريخ وأسلحة أكبر على القطاع، فضلا عن أن إسرائيل لن تفتح الحدود سريعا أمام الغزيين، خوفا من التفجيرات الانتحارية التي كانت الفصائل المسلحة تنفذها قبل عشر سنوات.
هناك طريقة واحدة مقنعة لتخفيف الحصار، تتمثل في فتح الحدود الجنوبية بالقرب من مدينة رفح المؤدية إلى مصر، ووضع الجانب الفلسطيني من المدينة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وليس حماس.
الموقف المصري فاتر جدا حيال هذه الفكرة، وإن كانت السلطة الفلسطينية متحمسة جدا لها، وذلك تمشيا مع سياسة الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي.
يبدو أن مصر ليس لديها أي رغبة تذكر في مساعدة حماس ضد إسرائيل، فضلا عن أنها تعتبر غزة مشكلة بالنسبة لها، حيث تخشى تدفق المسلحين على سيناء بما يعقد من أزمات الجهاديين في المنطقة.
غير أن سيطرة السلطة الفلسطينية على الحدود سيعد انتصارا لكافة الأطراف، فحماس ستكون قد كسرت الحصار وسلطة عباس عادت للعمل في القطاع، وفي نفس الوقت ستشعر إسرائيل بأنها لم تقدم كثيرا من التنازلات تحت ضغط النار.
وبالنسبة لسكان غزة، فسيشعرون بالراحة جراء تخفيف الحصار، وفي النهاية ستبدو مصر كبطل في هذه الأزمة.
وعندما ينقشع الغبار في النهاية، لا نندهش إذا كان هذا هو السبيل لحفظ ماء الوجه لجميع أطراف الصراع.
3 - سيطرة السلطة الفلسطينية على غزة
ما يغيب عن الأذهان في هذا الصدد أن الحصار فرض أصلا بعد سيطرة حماس على غزة.
ربما كان الحصار مقصودا كأداة عقابية تحفز الشعب على التمرد، وهو ما ثبت أنه غير عملي تحت حكم المتشددين والحيلولة دون حصول حماس على مزيد من الأسلحة.
في هذه المرحلة، الهدف الأساسي هو كبح جماح حماس.
وبدلا من ذلك، قد تخدع حماس العالم بقبول الشروط المقدمة من المجتمع الدولي، وهي الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقات السابقة ونبذ العنف.
والقبول بهذا ربما يقضي أيضا على الحصار، ولكن لا أحد يتوقع أن تقدم حماس على ذلك.
وفي كلتا الحالتين المبدأ واحد “لا حماس..لا حصار”.
وقبل شهرين، وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحماس اتفاقا يقضي بتشكيل حكومة وحدة، وهو ما تحقق فعلا على الورق، لكن البعض يتوقع بشدة تخلي حماس عن السيطرة على غزة.
وعارضت إسرائيل بشدة الاتفاق وضغطت عالميا من أجل مقاطعة حتى عباس.
حكومة الوحدة ولدت ميتة في الأساس، لكن الحرب قد تفضي إلى حياة جديدة وحقيقية، إذا تمخضت عن تخفيف كبير للحصار، ستجد حماس صعوبة في معارضة هذا الحل إذا أضيفت حوافز مالية، مثل مليارات المساعدات المقدمة من الخليج والغرب، تكون مشروطة بتولي السلطة الفلسطينية المسؤولية في القطاع.
وبعد كل هذا سيكون الدعم وسط المواطنين العاديين في غزة مرتبطا بتحسين الظروف الحياتية للمواطنين وليس خوض حرب حتى الموت ضد إسرائيل.
ومع ذلك، هناك ثمة تحد لإسرائيل وهو أنه ينبغي أن تتماشى مع طموحات تغيير قواعد اللعبة لدرجة ما.
ولكن ماذا لو وجد المسلحون في غزة وسيلة لإطلاق الصواريخ؟ ستندم على اليوم الذي تراجعت أو تلاشت فيه حماس، ليتلاشى معها إفلات إسرائيل من العقاب على ضربها المنطقة بقسوة مثلما حدث في الشهر الماضي.

