كانت دعوة الأنبياء مجددة وغريبة عن قومهم، وأتت ردود أفعال قومهم متفاوتة، منهم من قبلها بعدما تبين له أنه الحق، ومنهم من رفضها بعدما تبين له أنه الحق عناداً ومكابرة، ومنهم من رفضها بحسب أنها مغايرة عما اعتاد عليه وعما وجد آباءه عليه، فاطمئنانهم للمعتاد جعلهم يرفضون كل جديد وغريب، ظانين أنه شر لهم دائماً، وبفعلهم ذلك رفضوا وصدوا عن خير عظيم. (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) المائدة ١٠٤، (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) يونس ٧٨.
وعلى مستوى المجتمعات دائماً ما يحارب الجديد والغريب في معظمها، وربما أكثر في تلك المجتمعات التي تتوجس من كل جديد، واهمة أنه ما أتى إلا بتآمر قوم آخرين، وأنهم وصلوا حد الاكتفاء في كل شيء فلا جديد ينظر إليه، وقد يناهضون جديداً في بداية مطلعه بكل ما يملكون ومن ثم بعدها يكونون من أشد الداعمين والمؤيدين له بسبب تسرعهم في أخذ موقف منه.
هناك آخرون مقابلون لهؤلاء الذين يتوجسون من كل جديد وغريب، آخرون يلهثون وراء كل جديد، لاعنون كل ما سبق، ساخطون عما هم عليه، متوهمون أن كل جديد هو الأفضل دائماً، ينظرون إليه دون إبصار وتدقيق، فقط قبول مجرّد له، فما كان منهم إلا أن أصبحوا متجردين من مبادئهم وقيمهم.
مثالهم قوم موسى - عليه السلام - عندما فاجأهم السامري بأمر جديد، عجلا جسدا له خوار وصوت غريب، فما كان منهم إلا أن برحوا عليه عاكفين، رغم أنهم لم يروا ببساطة أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا.
التسرع في رد كل جديد دون إدراك أبسط ما فيه يقابله لهث وتسرع في قبول كل جديد وكذلك دون إدراك ووعي حتى لأبسط محتوياته، وإن اختلفت ردات أفعالهم لكنهم يستخدمون ذات القاعدة.
اختبر كل جديد بنفسك، لا من أشخاص متوجسين منه دائماً ولا من أشخاص يلهثون وراءه دائماً، انظر له بمنظور منصف ناقد، دائماً هناك منطقة وسط بين تطرفين، منطقة اعتدال وتوسط، منطقة تنظر للجديد بعدالة وإنصاف قدر الإمكان، منطقة لا تتسرع في رفضه أو قبوله، أو دعمه أو مناهضته.
لا تكن ممن يرفضون كل جديد وغريب عنهم ويتوجسون من كل مغاير عن المعتاد، فيصدون بذلك عن خير عظيم وربما عن الحق نفسه دون علمهم، ولا تكن ممن يلهث وراء كل جديد وغريب فينسلخ من مبادئه وقيمه ويتجرد منها كما يتجرد من ثيابه دون أن يعلم، كن وسطا دائما لا تفرط ولا تُفْرِط، كن حكيماً في مواجهة الجديد.
منهج الآبائية في رفض كل جديد
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
