صادف (عيد المتنبي) هذا العام ذكرى اندلاع الحرب العالمية الأولى (28 يوليو 1914م) بعد أن (سلقت) مملكة النمسا وهنغاريا حملة عسكرية لتأديب مملكة صربيا لأن طالباً صربياً طائشاً قتل ولي عهد النمسا الأرشيدوق/ فرانس فرديناند وزوجته، رغم نفي صربيا أية علاقة لها، ولكن غطرسة القوة (الجرمانية) اشترطت لتركيع المملكة الضعيفة عسكرياً وسياسياً أن ترسل لجنة للتحقيق في الحادثة داخل صربيا مع أنها وقعت على الملأ في وضح النهار أثناء زيارة ولي العهد لمدينة (سراييفو) التابعة للعرش (النمساهنغاري)!
لم تكن تلك سوى الشرارة (المفتعلة) لكن الهدف هو التوسع الإمبريالي طمعاً في كنوز الأرض وليس منها (الإنسان) طبعاً!! وتؤكد الحرب وما قبلها وما بعدها أن (المدنية المتقدمة) ليست سوى غشاء كبيت العنكبوت يغطي وحشية ابن آدم، كما يقول المفكر البراغماتي الأمريكي/ (وِل ديورانت) في موسوعته العظيمة (قصة الحضارة)!!
ولو افترضنا تعليق مسؤوليتها على ذلك الفتى (المقرود) فهو لم يقتل سوى رجلٍ واحد مهما بلغت أهميته فإن ديته أقل بكثير من (16) مليوناً راحوا ضحيةً للمنافسات التي استمرت أربعة مواسم، منهم (ربع مليون) من صربيا وحدها التي كشفت الوثائق أنه لم يكن لها دور رسمي في تلك الحادثة، فهل يرى الشعب الصربي ذلك الفتى بطلاً أم شؤماً ساحقاً ماحقاً؟!
وهل كان الفتى نفسه سيطلق رصاصتيه لو علم أن هدفه كان من أكثر قياصرة زمانه رغبة في الإصلاح وإعطاء الأقليات (من صرب ومسلمين وكروات) حقوقهم؟ كما أنه رومانسي (حِبِّيب) ضحى بحق أبنائه في وراثة العرش من أجل الزواج بحبيبته! وربما كانت (رصاصة الرحمة) الوحيدة أنه قتلهما معاً إذ لا يستطيع أحدهما العيش بعد الآخر!!
لكن المسؤولية تقع على أولئك (القياصرة الحكماء) الذين لم يترددوا في العبث بشعوبهم فيما يشبه جلسة سكرٍ وعربدة عرف بها أكثرهم، ولم يرضخوا للصلح والسلام إلا حين قامت الثورات في بلدانهم لتمسحهم جميعاً من الوجود، وتعيد رسم خارطة أوروبا بإرادة الشعوب التي بلغت القمة بـ(الاتحاد الأوروبي)!!