في إحدى الأمسيات قبل أيام، هيمنت صورتان سيئتان على نشرات الأخبار التلفزيونية والمواقع الإخبارية والإعلام الاجتماعي. من شرق أوكرانيا، ظهرت صور لحطام طائرة وجثث الضحايا بعد إسقاط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الماليزية. وفي نفس الوقت، في غزة، أضاءت ألسنة اللهب السماء بسبب القصف الإسرائيلي للقطاع تلاه هجوم أرضي. في ذلك اليوم فقط، مات نحو 300 شخص على الطائرة الماليزية، فيما مات 24 فلسطينيا على الأقل وجندي إسرائيلي في غزة.
الأزمتان في أوكرانيا وفي غزة مختلفتان تماما لكن بينهما عامل مشترك: كما هو الحال في معظم الحروب المعاصرة، الناس الذين يعانون معظمهم من المدنيين. الركاب على الرحلة الماليزية MH17 لا علاقة لهم مع القتال الدائر على مسافة 33.000 قدم تحت طائرتهم؛ والمسؤولون في غزة يقولون إن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين قتلوا منذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية هم من المدنيين، بما في ذلك نساء وأطفال ومسنون.
الأشكال الجديدة للحرب تتم غالبا ضد المدنيين. منذ نحو قرن من الزمن، كانت نسبة قتلى العسكريين إلى المدنيين ثمانية إلى واحد تقريبا. في تسعينات القرن العشرين، أصبح ذلك الرقم معكوسا. إذا نظرنا إلى الصراعات المعاصرة، مثل العراق، سوريا، سيراليون، البوسنة، كوسوفا، فإن الصور التي تأتي إلى المخيلة هي الطوابير التي لا تنتهي من اللاجئين وجثث الأطفال والنساء التي مزقتها الشظايا. في سيراليون منذ عدة سنوات، صدمتني أعداد الذين فقدوا أعضاء من جسدهم بسبب الحرب هناك.
نشر الرعب بين السكان المدنيين عنصر أساسي في الحرب الحديثة. حربان عالميتان خلقتا الرعب من الصراعات الكبيرة، لكن إحدى النتائج كانت تبني أساليب لا تفرق بين الجنود والمدنيين. لقد تعودنا على فكرة أن المدنيين يمكن أن يتعرضوا لهجمات من جهات غير رسمية، مثل الجماعات الإرهابية، في شوارع نيويورك ولندن ومدريد. لكن بعض الحكومات تستخدم أساليب مماثلة، غالبا عن طريق مليشيات بالنيابة، وروسيا إحدى أسوأ الدول التي تفعل ذلك.
لا أحد يصدق أن الانفصاليين الأوكرانيين كان بإمكانهم الاستيلاء على مناطق في شرق البلد دون مساعدات رئيسة من روسيا. الانفصاليون أسقطوا على الأقل 11 طائرة عسكرية أوكرانية منذ شهر يونيو، مستخدمين صواريخ روسية مضادة للطائرات. من الصعب تخيُل أنهم يمكن أن يستهدفوا طائرة ركاب مدنية أجنبية عمداً، والتفسير الأقرب للمنطق أنهم اعتقدوا خطأ أنها طائرة نقل عسكرية أوكرانية. ومع أن القتل الجماعي لـ300 راكب مدني يبدو سببا كافيا لتغيير قواعد اللعبة، إلا أن بوتين وحلفاءه ربما اتخذوا قرارا سريعا بأنهم ربما يستطيعون أن يزرعوا ما يكفي من الشك للتخلص من نتائج ما فعلوه.
كانت تغطية تحطم الطائرة أكثر مما يمكن أن تتحمله إحدى الصحفيات، وهي مراسلة في مكتب لندن لقناة روسيا اليوم التي تملكها الحكومة الروسية. سارة فيرث استقالت احتجاجا على تغطية القناة للحادثة قائلة إن أول قاعدة في كتاب أسلوب التغطية كان «لوموا أوكرانيا». كثيرون من الصحفيين اتهموا قناة روسيا اليوم بأنها مركز بلا حياء للدعاية الروسية، لكن من المهم لفت النظر إلى أن مؤسس ويكيليكس، جوليان أسانج، منح القناة مصداقية بتقديم برنامجه الخاص عليها. الأشخاص الذين قابلهم كان من بينهم نعوم تشومسكي، طارق علي، ورئيس الإكوادور رافاييل كوريا.
في أوكرانيا، في مكان تحطم الطائرة، كان الانفصاليون المدعومون من روسيا يفعلون ما بوسعهم لإخفاء أي أدلة لما يوصف حاليا بأنه جريمة حرب. هذا صحيح بالتأكيد، لكنه يشير إلى حقيقة مزعجة: في السنوات الأخيرة، في الوقت الذي كانت الحكومات ومنظمات حقوق الإنسان تدفع باتجاه إجراء محاكمات دولية لمعاقبة جرائم الحرب، إلا أن المخاطر على المدنيين زادت بشكل كبير. في واقع الأمر، السلوك الذي كان ممنوعا في الحروب، بما في ذلك الفظائع ضد المدنيين، يشكل حاليا «مكونا أساسياً» في الحروب الحديثة.
عندما يموت كثير من المدنيين – إجمالي عدد القتلى في غزة ارتفع إلى أكثر من 300 قبل كتابة هذا المقال بيوم - هناك خطر بأن ذلك سيبدو أمرا حتميا لا يمكن تجنبه. لكنه يحدث بسبب تردد المجتمع الدولي في استعادة وفرض حكم القانون. انتشار الفساد، الظلم وعدم المساواة، وعودة التيارات الوطنية أرض خصبة للصراع، وأحداث الأسبوع الماضي تبين أنه لا يوجد أحد لديه حصانة من النتائج السيئة للحروب الحديثة. يجب ألا يصل الأمر إلى حدوث جريمة قتل جماعية فوق أوكرانيا لإقناع قادتنا أنهم بحاجة لتحديد ومحاكمة أولئك الذين يرتكبون جرائم حرب، بغض النظر عن مدى أهمية مناصبهم.
المدنيون يعانون أكثر من الجميع
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
