"قص العشب" تلك هي العبارة القذرة التي تُستخدم في دوائر الجيش الإسرائيلي لوصف إخضاع غزة بين الحين والآخر لعرض مرعب من القوة النارية لتقليم طموحات حماس وقدراتها العسكرية.
هذه المرة مات نحو 900 شخص وأصيب 5.500 آخرون حتى الآن. الأمم المتحدة قدرت أن 80% من المدنيين. من بين الموتى تسعة شبان كانوا يشاهدون مباراة نصف نهائي كأس العالم في مقهى مزدحم عندما قُصف بصاروخ. اثنان آخران كانا من نزلاء بيت للمقعدين. و18 شخصا من أبناء عائلة البطش قُتلوا في ضربة واحدة من القصف الإسرائيلي. بالإضافة إلى ذلك. فقد أكثر من 8.000 من أبناء غزة بيوتهم التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية.
على الجانب الإسرائيلي. مات 30 إسرائيليا. ورغم عدم التوازن الهائل في أعداد الضحايا. لنكن واضحين: استهداف المدنيين غير مقبول تحت أي ظرف من الظروف. لكن إطلاق حماس للصواريخ ليس الإطار الوحيد لاندلاع العنف في غزة. هناك حكاية أخرى وراء ستار الدمار تبرز من غزة اليوم. وعلينا أن نفهمها إذا أردنا معرفة سبب موت الفلسطينيين.
في 23 أبريل من هذا العام أعلنت السلطة الفلسطينية أنها ستشكل حكومة وحدة وطنية لإنهاء الانقسام بين حماس وفتح. بالنسبة لمن يريد رؤية حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. يعدّ هذا خبراً جيداً. البعض يخشون أن حماس ستسعى لإفساد أي اتفاق لإنهاء الصراع. وبالرغم من أنها تعهدت عدة مرات باحترام أي تسوية لقيام الدولتين يوافق عليها الشعب الفلسطيني في استفتاء عام. إلا أنه لا يزال هناك بالتأكيد عناصر داخل حماس يرون أن أي اتفاق سلام هو استسلام. ومنذ أن قررت حماس دخول الانتخابات البرلمانية في 2006. بدأ صراع بين أولئك الذين يريدون إبقاء حماس حركة مقاومة وبين الذين يؤيدون البراجماتية.
الانتفاضات الأخيرة في الشرق الأوسط مولت حماس عددا من رعاتها - الإخوان المسلمون في مصر وسوريا وإيران - مما جعلها غير قادرة على دفع رواتب موظفي الحكومة. بعد إفلاسها. لجأت حماس إلى السلطة الفلسطينية. وأيدت حكومة جديدة تعترف بإسرائيل. ونبذت العنف. ووافقت على اتفاقات سابقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ولكن كيف رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هذه الموجة من البراجماتية؟ انسحب من مباحثات السلام. مدعيا أن السلطة الفلسطينية استسلمت للتطرف. وعندما اختُطف ثلاثة شبان إسرائيليين في الشهر الماضي. تجاهل ادعاءات حماس التي كان لها مصداقية معقولة بأنها لا علاقة لها بالحادثة. وأخفى أدلة على أن الضحايا كانوا قد قُتلوا بالفعل. من أجل استخدام الحادثة كذريعة للقيام بحملة كبيرة ضد حركة حماس في الضفة الغربية. تم اعتقال نحو 800 شخص. بما في ذلك ناشطون في جمعيات خيرية وصحفيون لهم علاقة مع حماس. الصواريخ التي أطلقتها حماس كردة فعل من غزة أدت إلى الهجوم الإسرائيلي على القطاع الذي لا يزال مستمرا حتى كتابة هذا المقال.
كان يفترض أن تعدّ القيادة الإسرائيلية الوحدة الفلسطينية فرصة رائعة. كانت الموازين قد مالت بقوة لصالح المعتدلين في حماس. بدلا من شن هجوم عسكري. كان يفترض أن يرد نتنياهو بهجوم سلمي قوي. ويعرض على الفلسطينيين إنهاء الاحتلال وإقامة دولتهم الخاصة. لكن ذلك كان يتطلب التزاما جديا بالسلام. عوضا عن ذلك. وفقا لمسؤول أمريكي بارز حضر محادثات السلام الأخيرة. «الحقيقة المرة» هي أن الوزراء الإسرائيليين كانوا مذنبين في جريمة «تخريب» المفاوضات من خلال «بناء مستوطنات على أراض يفترض أن تكون للدولة الفلسطينية».
في الواقع، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي مطلقا جادا حول الموافقة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. كيف أعرف ذلك؟ لأنه هو نفسه قال في تصريح مذهل تجاهلته وسائل الإعلام العالمية بطريقة لا تغتفر. نتنياهو قال «لا يمكن أن يكون هناك وضع. تحت أي اتفاق. نتخلى فيه عن السيطرة الأمنية على المناطق غرب نهر الأردن». بعبارة أخرى. لن تكون هناك سيادة فلسطينية على الضفة الغربية. ولن يكون هناك حل دولتين. ولن يكون هناك سلام.
هذا هو الإطار الذي حدث ضمنه العنف الذي نشهده اليوم. بالإضافة إلى تنفيس غضب الإسرائيليين بسبب حادثة خطف الشبان الإسرائيليين في الضفة الغربية. فإن عمليات القتل في غزة تهدف إلى مواجهة التهديد الذي تشكله براجماتية حماس.
العنف سوف يزيد قوة الجناح المتطرف في حماس ويعزز شعبيته التي كانت تتناقص في قطاع غزة. هذه نتائج متوقعة تماما للهجوم الإسرائيلي. وهي نتائج يبدو أن إسرائيل مرتاحة لها تماما. إسرائيل تريد أن تكون حماس ضعيفة عسكريا واقتصاديا. وأن تكون متطرفة سياسيا ومتمسكة بالسلطة.