يحكى أن أحد الأعراب عضَّه ثعلب فأتى لراقٍ ليرقـيَه من العضة، واستحيا أن يقول للراقي إنه أصيبَ من عَضَّة ثعلب، وقال: عضَّني ذئبٌ؛ فارْقِــني منها، فبدأ الراقي بالقراءة عليه والنفث، فقال له بصوتٍ منخفض: حبذا – أيها الشيخُ – أن تخلطَ رقيتَكَ هذه بـِـرُقْــيَةِ الثعالب.
قصة هذا الأعرابي وعضة الثعلب تختصر لنا حكاية تصرفات السياسيين كلها ومواقف غالبية النخب الفكرية تجاه الأحداث؛ الكل يتحدث عن (قيم عليا)، و(أخلاقيات)، و(أهداف نبيلة) ويظل الهدف الحقيقي للسياسي قابعًا تحت تلك الشعارات الظاهرية، وذلك أن الجمهور يبحث عن البطل الذي يمثل تلك القيم العليا، ويحقق تلك الأهداف السامية، والسياسي يطرح نفسه على أنه هو البطل الذي يحقق ذلك، فهو داعية الخير والحسن والجمال والقيم العليا وصاحب الأهداف النبيلة، ويصور خصومه على أنهم دعاة الشرور والقبح والأهداف الشخصية الدنيئة، ووسائل الإعلام اليوم تتكفل بصنع ذلك كله، هذا الصراع الظاهري على تمثيل الخير والقيم العليا يتمثل في كل الصراعات السياسية؛ وقد ظهر بشدة في (حرب غزة) هذه الأيام، فمن المتفق عليه في قضية فلسطين لدى كل السياسيين العرب، ولدى كل التيارات الفكرية العربية قاطبة مهما اختلفت أوطانهم أو طوائفهم أن إسرائيل قوة محتلة غاشمة، وأن الشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، وأن من حقه المقاومة، وكان المفترض في ظل هذا الإجماع على هذا الموقف من إسرائيل أن يكون الموقف من الحرب الأخيرة أحد أمرين؛ الأول: أن يؤيد الجميع المقاومة الفلسطينية في حربها الأخيرة، الثاني: أن تختلف النظرة ويظل الخلاف في حدود اختلاف وجهات النظر في تقدير المصلحة في الدخول في تصعيد عسكري أو الاقتصار على مقاومة سلمية، ويكون الرأي المخالف للدخول في الحرب يمثل رقابة على عمل المقاومة، لكن ما حدث جعل الخلاف بين المؤيدين للمقاومة العسكرية والداعين للاقتصار على المقاومة السلمية فقط يتحول إلى حرب كلامية استعملت فيها كل أسلحة الهجاء والتخوين والعمالة لإسرائيل، لماذا تحول الأمر إلى حرب كلامية والفريقان متفقان على الموقف من إسرائيل؟! فتش عن (رُقْــيَة الثعالب) فيما حدث، لقد نقل السياسيون العرب خلافاتهم فيما بينهم إلى قضية فلسطين، وتبعتهم التيارات الفكرية في ذلك، فالهدفُ المعلنُ قيمٌ عليا والهدف الحقيقي كما توضحه لنا (رُقْــيَة الثعالب) أهداف سياسية لأولئك السياسيين وأحلافهم، فنحن أمام حلفين سُـنِّـيين سياسيين يتصارعان على النفوذ في الشرق الأوسط؛ حلف تركيا وقطر وحركة الإخوان ومعهم حماس، وحلف مصر والأردن ودول الخليج ومعهم السلطة الفلسطينية، ولكل حلف وسائل إعلام وأنصار، والصراع بينهما مستمر منذ قيام أحداث الربيع العربي، واشتد الصراع بعد انقلاب 30 يونيو في مصر، وقد تلتقي مصلحة الحلفين كما في موقفهم من ثورة سوريا، وجاءت حرب غزة لتبرز أبشع ما في خطاب الحلفين تجاه بعضهما، فأنصار حلف تركيا لم يقتصر خطابهم الإعلامي على تبيان أن إسرائيل دولة لم تعرف في تاريخها إلا العنف، فقد واجهت المظاهرات السلمية بالعنف الشديد، وأنه لا يمكن التحرر من عنف إسرائيل إلا بالمقاومة العسكرية، وأن المقاومة وحدها – مهما كان ضعفها- هي السبيل للتحرر، وتجربة الشعوب تثبت ذلك كتجربة الشعب الفيتنامي والشعب الجزائري، وأن من أهم ما يجب إيصاله للشعب الإسرائيلي أنه يعيش في ظل دولة موقتة مصيرها الزوال، لم يكتفوا بمثل هذا بل تحول خطابهم إلى خطاب إرهاب فكري لمن يختلف معهم في الرؤية؛ إذ نجحوا بصنع خطاب مكارثي يجعل كل موقف معارض لتصعيد حماس هو بالضرورة مؤيد لإسرائيل، وأصبحت تهمة (التصهين) من نصيب كل من انتقد تصعيد المقاومة، واستماتوا لإثبات أن هناك تآمرًا حقيقيًّا من دول حلف مصر بالاتفاق مع إسرائيل لضرب الفلسطينيين، وفي المقابل فالخطاب الإعلامي لأنصار حلف مصر لم يكتفِ بطرح وجهة نظر قائمة على تبيان الأعداد المهولة للضحايا المدنيين من الفلسطينيين جراء الحرب، وأعداد المشردين، والخسائر الاقتصادية الهائلة التي يصاب بها الفلسطينيون في غزة جراء التصعيد، وأن تجارب التصعيد كانت قاسية على قطاع غزة، ولم تردع إسرائيل عن جبروتها وطريقة تعاملها مع الفلسطينيين، وأن قرار التصعيد لا يمثل كل الفلسطينيين فثمة إحصائيات تطرح على أن أكثرية فلسطيني غزة ليسوا مع خيار التصعيد العسكري، وأن الواقع الإقليمي لا يسمح بالتصعيد، لم يكتفوا بمثل هذا بل أفصح بعض الإعلاميين من أنصار حلف مصر عن خطاب موغل في البشاعة، والسخف والدناءة فأثنوا على إسرائيل وشكروها لضربها حماس، ودعوها للاستمرار بذلك، وفجروا في خصومتهم لـ(حماس)؛ إذ اتهموها بالمتاجرة بدماء الفلسطينيين، واتهموا قادتها بالسعي لمكاسب شخصية على حساب الفلسطينيين، وأنها تقدم خدمة مقصودة لليمين الإسرائيلي المعادي للفلسطينيين، وأن (حماس) و(إسرائيل) وجهان لعملة واحدة، والهدف من كل هذه الغوغائية الإعلامية ليس معاونة إسرائيل بل هو الحط من حلف تركيا.
هذا الصراع الذي تم حول (حرب غزة) هو – كما تخبرنا رُقْـيَـة الثعالب- أنموذج للصراعات بين السياسيين، والتيارات السياسية والفكرية، المعلن فيها صراع حول أهداف سامية، وقيم عليا، والحقيقي هو الصراع حول أهداف خاصة بكل حلف سياسي، أو تيار فكري.