استمرار الاقتتال بين المليشيات المسلحة في المدن الليبية الرئيسة خاصة في طرابلس وبنغازي، دليل فشل لمؤسسات دولة فشلت في التوصل إلى استقرار حقيقي منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في 17 فبراير 2011. امتداد الصراع العسكري إلى إحراق خزانات الوقود، ومحاولة السيطرة على حقول النفط ومصافيه يمثل أقصى حالات الفوضى ما دعا الحكومة الموقتة في البلاد إلى المسارعة في طلب النجدة من المجتمع الدولي لحماية البلاد من كارثة إنسانية إثر امتداد حرائق النفط إلى خمس خزانات للوقود في محطة التخزين القريبة من مطار طرابلس، والتي تتسع لـ 90 مليون لتر من الوقود. وأبدت كل من إيطاليا واليونان استعدادا للمشاركة في إخماد حرائق كارثة طرابلس بشرط وقف إطلاق النار بين المتقاتلين في محيط مطار طرابلس الدولي.
الفشل في التهدئة والفشل في إخماد الحرائق، نتيجة طبيعية للصراع بين الجيش والمليشيات المسلحة، خاصة الإسلامية منها مثل أنصار الشريعة. هذا الصراع جعل ليبيا دولة فاشلة، وأدى إلى نزوح أبنائها إلى خارج البلاد هربا من العنف السائد في كافة المدن. كما أدى إلى إسراع دول العالم لإجلاء رعاياها وبعثاتها الدبلوماسية من طرابلس وبنغازي نظرا لخشية تعرضهم لأعمال عنف محتمل في ظل تردي الأوضاع الأمنية. فقد قررت كل من كندا والبرتغال وهولندا والفلبين والنمسا وفرنسا وبريطانيا سحب دبلوماسييها من ليبيا موقتا بسبب مخاوف تتعلق بسلامتهم. كما دعت هذه الدول رعاياها إلى مغادرة البلاد فورا، ومنع السفر أمام الراغبين في التوجه إليها. جاء ذلك بعد أن أوقفت الولايات المتحدة والأمم المتحدة وتركيا بالفعل عمل سفاراتها، إثر حوادث اختطاف دبلوماسيين، مثلما حدث مع السفير الأردني لدى طرابلس.
لقد سقط آلاف القتلى في سعي الشعب الليبي للحصول على الحرية من نظام ديكتاتوري، إلا أنه وبعد ثلاث سنوات من الثورة سقط مرة أخرى في فكاك مطامع إقليمية لفئات تغلب عليها المصالح الشخصية، ما أفقد هيبة الدولة. ولعل إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الشهر الحالي، وقرب اكتمال عمل لجنة الستين لصياغة دستور جديد للبلاد، كفيلان بوضع اللبنات الأولى للاستقرار المفقود.