دماج، قرية صغيرة منزوية في الضفة الجنوبية الشرقية لمحافظة صعدة بشمال اليمن، المراجع الجغرافية تقول إنها في الأصل ترقد في حضن وادٍ
والإحصاءات السكانية الرسمية رصدت سكانها بحوالي خمسة عشر ألف نسمة
من غريب الصدف أن تفكيك حروف اسم القرية يعطي معاني يمكن تركيبها على نعش المآسي ببساطة فأول حروف اسمها (دم) وهذا لا يحتاج إلى شرح، وثانيها (اج) ومصدر أج، أجيجٌ، أجّةٌ «أجّت النّارُ» تلهبت، توقدت، أو أج الأمر أي اختلط أو أج الماء وهذا يعني زيادة الملوحة
التصرف في بعثرة حروف اسم هذه القرية أتى على هامش نتائج الصراع الدموي الذي ابتليت به دماج القرية اليمنية التي تحولت بين عشية وضحاها إلى مضمار اللعب بالعقول- سمة القرية البينة وعنوانها العريض في التاريخ الحديث
الذي يتأمل حالها في ضوء ما دار فيها من أحداث بشعة استهدفت الإنسان بشكل دقيق لا يمكن أن ينفي عن أطراف الصراع تهمة العمل على تفخيخ الأدمغة ضد الحياة، تلك الحالة المؤسفة التي تختصر كل التفاصيل في طريق النهاية اللاإنسانية (اللعب بالجماجم)
وكما قيل قد تنتهي المأساة وتبقى الأسئلة
دماج، القرية المتواضعة في حضور الجبال تمتد على مسافة قصيرة في الطول تقدر بحوالي 25كلم وضئيلة في العرض لا تتجاوز 3كلم، الشواهد المُرحلة من الطبيعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي تقول إن التنمية مرت على القرية، سلمت عليها ولم تصافحها، أهلها بسطاء، ولهم في الحضور القبلي وتنظيماته ما يدل عليهم ويُعرف بهم بحسب المتداول في مراصد الأقوال العامة
ومن الحقيقة أن الحاجة والعوز صدرت بعضهم للجوار بتواضع تام ومقدرة مهنية منخفضة لا تتعدى أعمال البناء والزراعة إلا فيما ندر، هكذا قدمت دماج أهلها للغير في العقود الزمنية القريبة، قبل أن تصبح مسرحا للمزايدات الدينية المنتهية بالأحداث الهمجية الدامية
فتحت القرية مع مرور الأيام شهية الحماس وجلجل فيها وعلى أطرافها الخطاب الدعوي وحضر إليها من حضر في مظهر يسمح بالتكهنات كما تقول الحوارات المحلية في البلد الأم –اليمن، وعلى الهامش تصاعدت حدة الرأي العام هناك ومن خلاصته أن (دماج) تُركت تنمو في حضن الولاءات برعاية أحزاب وتيارات دينية في ظل غياب واضح للدور السياسي المحلي الذي لم يسجل ردة فعل بارزة تضع في الحسبان مدى التأثير المحتمل على داخل المكان وأطرافه وما مع ذلك من توقعات حول انفتاح الوضع على الخارج البعيد ببساطة
القراءة المتأنية للعموميات قد تنتهي بشكل أو بآخر إلى أن أطياف التشدد تسابقت تحت الغطاء الديني لتنمية المكان بالأسلحة وملء العقول بالفتاوى المنتفخة بصديد تناقضات التاريخ وأن الصراع العقدي دخل على الخط بحساسية مفرطة تتمدد في بيئة ساذجة تقبل منهج الممكن وغير الممكن بحماس يعكس أكبر صور الفراغ الفكري والتنموي للمكان العاري من ملامح البنية التحتية والتنمية البشرية التي قد تسهم معطياتها في تمتين قيمة الحياة و تحصين العقول من الاختراقات
انتهى وضع دماج بما انتهى إليه وقد كشفت الأيام الفائتة حجم المأساة الإنسانية المعبرة عن نفسها بأزمة ضمير مشتركة يرافقها غياب تام للعقل في كل الأطراف، صور حية لجنون التشدد وبشاعة العنف، كل الأحداث تعكس تقزيم مكانة الإنسان المسلم وفي قلب المشهد غياب واضح لجودة الحياة وقيمتها في كل الجوانب
في دماج المسلم يقتل المسلم تحت الشعار (الطائر في الهواء): «الموت لأمريكا الموت لإسرائيل»
الشعار المزعوم الذي لم يتحقق منه على أرض الواقع شيئ على يد أي من أطراف الصراع الذي قام على أساس المزايدة على الدين وإثبات الذات والارتزاق كما يبدو
الصراع نجح في تحويل القرية البسيطة المسالمة من مزرعة للفواكه المتنوعة إلى مزرعة للموت بالجملة دون أدنى وازع من ضمير
في بداية أحداث دماج ونهايتها مرورا بالوسط يقتل الإنسان برصاص التعبئة المنبرية قبل الذخيرة الحية ويدمر المكان بأدوات الحقد قبل آليات المعركة وكل هذا يحدث في العصر الحديث بدوافع مذهبية مشحونة بالتعصب والبغضاء، هذه هي الحقيقة المرة المخجلة
انتحرت دماج في مشنقة الشعارات وفي ذلك عبرة وأكثر من درس


، ودمتم