الرقية الشرعية أجازها الإسلام، لا يشك شاك في ذلك، فهي من سبل العلاج، وبخاصة للأمراض غير المحسوسة كالمس والعين والسحر وغيرها، وهي من الأمور التي أقرّها الشارع الحكيم، وأجاز أخذ المال مقابلها، وهو أمر لا يخفى.
ووجود الرقاة في مجتمعنا ظاهر للجميع، وهو أمر قديم حديث، فهم يزدادون ويقلون بنسب متفاوتة، ولكنهم منتشرون في كل بقعة من بلادنا، يمارسون ذلك بشكل علني، وتتطاير أخبارهم حتى بات بعضهم ممن تشد إليه الرحال. وأكاد أجزم أنه لا توجد مدينة ولا محافظة في بلادنا تخلو من الرقاة.
والمتأمل يجد أن هناك من اندس وسطهم، وهو لا يحسن قراءة القرآن فضلا عن أن يكون راقيا شرعيا أو غير ذلك مما يمت إلى أمور الشريعة بصلة، ولا يكتشف أمره ألا بعد كمين قامت به هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
ولا عجب أن يدخل السحرة والمشعوذون في هذا الباب، فقد فتحوا أبوابهم وتستروا تحت هذا المسمى (راق) وبات المرضى يقصدونهم ويدفعون لهم المبالغ الطائلة، بحثا عن العلاج وبأي ثمن كان، ويستمرون لسنوات إلى أن يتم فضح أمرهم وكشف سرهم من قبل أحد المتعاملين معهم.
نطالع الصحف، بل وبعض البرامج التلفزيونية، ومقاطع اليوتيوب وغيرها، فنجد أناسا استغلوا هذه الفوضى، فامتهنوا الرقية، وهم دجالون، وهدفهم مادي بحت، ولم تكن لديهم دراية، والبعض خلط بين الطب الشعبي (وستكون لهذه الزاوية وقفة معه) والرقية، وحدّث ولا حرج، في مشهد عارم بالفوضى!
وهذه الأمور مجتمعة تستوجب الوقوف بحزم لتنظيم الرقية في بلادنا؛ لتكون أنموذجا للغير من البلدان الإسلامية الأخرى، بعد إخضاع هؤلاء للمقابلة والإقرار بصلاحيتهم للرقية، من قبل لجنة متخصصة.
لقد صدر مؤخرا عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيان يوضح قيامها بإنشاء 40 مركزا متخصصا لمكافحة السحر والشعوذة ومخالفي الرقية الشرعية، في إجراء مشكور لكنه – في تصوري- لا يفي بالغرض؛ إذ لا بد من تكاتف الجميع وبخاصة وزارة الشؤون الإسلامية التي ما زالت تقف موقف المشاهد فلا دور لها، في إجراء غير مبرر على الإطلاق.
إن من المؤسف أن وزارة الشؤون الإسلامية وهي المعنية بهذا الشأن غائبة عن المشهد، ونحن نطالع - مع بالغ الأسف- بين الحين والآخر أخبارا تبثها الصحف عن رقاة كانوا يمارسون أعمالا مخلة مع المرضى، بل والقبض على بعض السحرة والمشعوذين الذين عرفوا على أنهم رقاة، ومع هذا فالوزارة لا تحرك ساكنا، ويبقى الحال على ما هو عليه، ولا يعلم المرء إلى متى؟!
إن المفترض هو أن تتحرك الوزارة وبشكل عاجل ومباشر لتنظيم الرقية والرقاة في بلادنا من خلال منح تصاريح رسمية لمن يكون مؤهلا لهذا العمل، ومن ثم ترخيص آخر لمكان مزاولته، بتنظيم متقن ونظام مقنن، ولا نقلل من دور متابعة الرقاة وتلك الأماكن من قبل الجهات الرقابية والأمنية. فمن غير المقبول أن يبقى الناس في تخبط يتتبعون كل من يدعي هذا الأمر، وهم يجهلون حقيقة أمره، والمريض ربما يكون معذورا في هذا الشأن فهو يبحث عن العلاج، ويريده بأي ثمن، ولا يدري أن من يرقيه مؤهل أم لا، بل ولا يدري - في كثير من الأوقات – أن من يتعامل معه ساحر أو مشعوذ.
إن المرجو هو التعجيل بنظام لتنظيم الرقية والنظر في أوضاع الراقين بإبقاء من هو أهل لأن يرقي الناس وتنحية وتوقيف من يكون خلاف ذلك، لتخليص المرضى من هؤلاء الذين عاثوا فسادا وتلاعبوا بالأنفس المغلوبة على أمرها.
ما المانع أن نرى دورا مرخصة للرقاة، وبرسوم محددة، بل لماذا لا يُمنح الراقي ترخيصا بحيث يكون هناك نُزل لمن يحتاج للمكوث أياما عدة من أجل الرقية (وبرسوم مقبولة)؟!
إن الوزارة - في تصوري - لم تمنح هذا الجانب الاهتمام المستحق، ولم توليه العناية المطلوبة، بل لم تؤد دورها المفترض أن تقوم به، والواقع خير شاهد على ذلك، ومن يطالع الصحف المحلية يدرك هذه الحقيقة ويتفق معي بلا تردد، فهل تتحرك الوزارة، لنرى تنظيما للرقية والراقين في بلاد الحرمين؟