في سنة 2006، قام الكاتب الأمريكي (رالف بيتر)، بنشر موضوع (حدود الدم)، في مجلة القوة العسكرية، والذي تكلم فيه عن دول الشرق الأوسط، في حينها، وكيف أن حدودها لم تكن مكتملة، بعد جلاء الدول المحتلة عنها، وأن الاستقلال لم يكن كافيًا لرسم الحدود القويمة، التي تضمن زوال الصراعات بين العرقيات والطوائف والأديان والمذاهب والمعتقدات، حيث إن الأقليات تعاني من الظلم الصريح، وأن حدود الشرق الأوسط تسبب خللًا وظيفيًا داخل الدولة نفسها، وبينها وبين الدول الأخرى.
لقد رسم مخططًا تخيليًا لشرق أوسط جديد، يُبنى على أساس وقائع ديموغرافية (الدين، القومية، والمذهبية)، وحدد أن المهمة ستكون مستحيلة سلميًا.
واقترح أن يتم تجميع الأقليات، وتوطينهم في بلدان محددة، وحدد دولًا مستهدفة بالتقسيم والاستقطاع، ودولًا أخرى سيتم توسيعها لأغراض سياسية بحتة.
وعلى سبيل المثال فإن العراق تصبح ثلاث دويلات (كردستان، وسنيستان، وشيعستان)؛ وللعجب فها هي العراق، تعيش ما يشابه المذكور في التقرير.
وقد فصلت خارطته، التي لم تكن سوى بحث شديد الغرابة حينها، دقائق تفاصيل ما يجب أن يحدث في جميع دول الشرق الأوسط؛ فكانت تقسيماته وتوقعاته قريبة لما يظهر لنا على سطح الواقع الحالي والمستقبلي، وبدرجة مريعة، تكاد تجعلنا نجزم بأنه هو من شارك بتحريك الأقلام على الخرائط، والتسبب في كل تلك التغييرات، التي عشناها في أحداث دول الربيع العربي، وفي تقسيم السودان، ومنعة إسرائيل، وتدخل إيران في جميع الصراعات العربية، ومواقف تركيا لتصدر الصورة، ودخول الصين وروسيا للصورة بقوة.
ومن يستعرض مثل هذا المقال بعد ثماني سنوات على نشره، يعلم أن المياه تجري من تحتنا، ونحن نقضم أظافر القلق؟.
فهل كان المقال، مجرد، رؤية كاتب مستبصر؟!.
الأمر يحتاج لوقفة صدق مع النفس، وإعادة النظر في أحوالنا بمصداقية، وفيما يدور حولنا، فلسنا بمعزل عن الحدث.
الوحدة واللحمة الوطنية هي الرد السريع على أي تشرذم أو تفكك، قد يصيب الدول.
زوال الفروق الفئوية، والعنصرية، والمذهبية، والدينية هو الحل الناجع المطلوب لرد أي كيد قد يأتي من الداخل أو الخارج.
تقارب السلطة من الشعب، ورفع قدر المواطن، وإعطاؤه الفرصة الكاملة ليكون عضوًا مؤثرًا في صنع القرار، هو السلاح القويم، الذي يحمي الوطن بمواطنيه.
تبكي بعض الدول على اللبن المسكوب، حين لم يعد يجدي البكاء، فلم يزل ما علق بها من دمار وبؤس وتشتت ماثلًا بيننا، ولو كانت الرؤية لديهم سليمة صادقة، لما حصل ما كان.
نحن قادرون على صد كل محاولة لزلزلة استقرارنا، وتقوية نقاط ضعفنا، فقط متى خلصت النيات، وتساوت الرؤوس، وقل بيننا الفساد.
إننا كشعب وحكومة، بحاجة لوقفة صدق مع النفس، ليكون وطننا عصيًا على كل المؤامرات، والخطط، ولم تفت الفرصة بعد لنبني حولنا حصنًا منيعًا لا يمكن اختراقه.
خريطتنا والرسامون
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
