في عام ٤٥ كتبت غويندولين بروكس قصيدتها الشهيرة Negro Hero لتكون بذلك أول امرأة تكسر التابو وتكتب شعرا عن الحرب! تقول الكاتبة والمحاضرة السياسية «جين بثكي إلشتين»، مفسرة سبب إحجام النساء عن كتابة هذا النوع من القصائد «لأن النساء خارج الحرب، والرجال داخلها، ولطالما كان الرجل أفضل من المرأة في رواية قصص الحرب فقد كان هناك ويعرف كيف كانت حقيقة الحرب» لكن بروكس على الرغم من ذلك كتبت هذه القصيدة بأسلوب لا يمكن أن نرى فيه «احتفالا شعريا» كما أشارت سوزان شوايك، بل «حرية إبداعية، تخطت كل العقبات وكسرت بعنف القيود التقليدية والمفروضة على صور الحرب والجنود في الأدب»لم تكتب بروكس في هذه القصيدة عن فظاعة الحرب وويلاتها، ولا عن آلام الجنود وتضحياتهم، ولا عن الجثث والجروح والإصابات البشرية والمادية، ولم تكتبها عن الحب والحنين للوطن والأهل أيضا، بل كتبت عن الغضب والحيرة والخيبة التي تخلفها العنصرية في نفوس الجنود من أصول أفريقية
في هذه القصيدة رسمت بروكس خطّ صلة، ربطت به جيوش العدو وعنصرية الأمريكي الأبيض وجمعتهم في خندق واحد
كتبت بروكس «بطل زنجي» على شكل مونولوجٍ دراميّ طويل يدور داخل جندي من الحرب العالمية الثانية، جندي أمريكي- أفريقي، يقاتل لأجل دولة الأمريكي الأبيض
يبدأ المونولوج بتعابير عنيفة، تبين الصعوبات التي تخطاها الجندي منذ البدء، من أجل أن يتم قبوله في الجيش، لقد كان قدره أن يخوض معارك ضدهم ومعارك أخرى لأجلهم، لأنه وُلد ببشرة سوداء
«كان لابد أن أركل قانونهم داخل أسنانهم من أجل أن أنقذهم»لكنه لا يشعر بالحرج من هذا، فهو يتعامل معهم كما يتعامل منقذ مع غريق عليه أن يسحبه بقسوة إلى بر الأمان وإلا غرقا معا
هذه القصيدة قد تكون الرواية الأدبية لأسطورة حقيقية وقعت خلال الحرب، حين قام الجندي دوري ميلر بإطلاق النار على أربع طائرات يابانية كانت لتقتل كل من على متن السفينة لولا أن نهض ميلر وكسر حصار القانون العنصري، والضعف والاستسلام، ورفض أن يموتوا جميعهم لأنه أسود لا ينبغي ليديه أن تصلا لذلك السلاح!«كم هو رائع أن أحظى بالمجد كم هو رائع أن أزيّن أسماءهم بالذهب»لم يكن المجد والذهب والنياشين والتاريخ من نصيب الجندي البطل، فبطولاته منسية وتضحياته مهمّشة، وبشرته لم تكن بيضاء بما يكفي لينال المجد
«كنتُ واقعا في الحب والرجل يحمي ما يحب» لقد أحبّ وطنه على الرغم من عنصريته، وهو يقاتل لأجله، لكنه لم يستطع التخلص من غضبه وخيبته وألمه من هذا الوطن الذي ضاق عن لون بشرته
وتعيد بروكس هنا تعريف «العدو»: «ما كان اهتمامهم كافيا ليروا أن معركتي لم تكن مع العدو فقط، كلا، بل معهم»، كان يقاتل ببسالة على أرض المعركة، لكنه يقاتل بالاستبسال نفسه، ضد تحامل البيض وعنصريتهم في وطنه، كان يقاتل ليحظى بحقه وكرامته، كما يقاتل من أجل حياته
ويستعيد الجندي بعضا من ذكريات طفولته، يتدرب على الغناء الذي كان طريقته في التعبير عن ألمه ومعاناته، كان الغناء صوته وسلاحه الذي رافقه طفلا منبوذا من أبناء وطنه، غريبا بينهم
ويستمر المونولوج: «في ردائها الأبيض، كانت ديموقراطيتهمتلك سيدتي العادلةبسكينها البارد المخبأ بنعومةداخل أكمامها الرقيقة الفضفاضة»هذه التناقضات في رؤية الجندي للديموقراطية الأمريكية، تصفها بدقة: فهي عادلة ناعمة ورقيقة مع «الأبيض» قاسية وباردة بسكين مستعد لطعن «الأسود»
ثم يتفاقم الحزن وتشتد الخيبة في صدر البطل:«ألامع دمي بما يكفي ليُسفك؟أنظيفٌ أنا لأقتل لأجلهم؟» هل يرونه جديرا بقبولهم ورضاهم بعد هذه التضحيات؟ ليأتي الجواب في قصة توردها بروكس عن شيخ أبيض من الضواحي الجنوبية في أمريكا يفضل أن يموت، يفضل أن تستقر رصاصة في منتصف رأسه على أن تنقذه قطرة دم من رجل أسود
لكن الجندي البطل يواسي نفسه فخورا:«لقد شاركتُ في إنقاذهم، هذا ما يهمإنقاذهم، وجزء من ديموقراطيتهم»
بطل بروكس الزنجي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
