يأتي العيد هذا العام من وسط نزيف جرح ضميرنا العربي المفتوح، يصرخ في ضمير الإنسانية، ويتوسد أشواك الشك والحيرة فيما إذا كان هناك من أمل في هزيمة ضياع أمتنا العربية والإسلامية.
وهذا الصراخ من كل الجهات كفيل بأن يستثير مكامن النفوس، ويروي جفاف القلوب التي يئست من كثرة النوازل والمصائب.
يُعتبر هذا من أكثر الأوقات التي يخوض فيها المواطن العربي معترك الحياة باحثا عن زمن أفضل، فبعد أن كان يبكي على فلسطين وحدها، تفتقت إليه جبهات سوريا والعراق واليمن وغيرها.
وبعد طول عذاب اجتراح الوسائل الكفيلة بتحقيق الأفضل من الحلول للتعايش فقط مع هذا الواقع الأليم وإن استعصت، يبحث الآن عن زمن أكثر سعادة وأقل إيلاما.
زمن ربما تقف عنده عجلة الحرب الطاحنة لتمكّن الأطفال الصغار من بهجة ليوم أو بعض يوم.
زمن لا يفترض أن يغادر لتحلّ محله حرب الضمائر والأخلاق.
كل هذه المصائب سطّحت مفاهيم وإدراك إنسان الوطن العربي وجعلتها مجرّدة وخاوية، فهو مع حالة المطالبة الدائمة بالحق في العيش في سلام، والتي باتت تكرس قواه للانهزامية والإحباط من كل شيء.
وهو وضع يخلق شعبا غير غارق في التفاؤل وغير محكوم بالأمل وإلى متى؟ لا أحد بالضبط يدري.
يجيء العيد هذا العام وسط أنين الأمة المتكسّر، وأطفال غزة يتناوشهم الموت ويُبدل براءتهم دما وعنفا.
للفرحة هذه المرة طعمٌ ينغرز كنصل حاد في شغاف القلوب.
كيف يمكن لأمة أن تخرج على جزءٍ منها بفرحة عيدٍ وسط جلجلة الأسلحة وصرير جنازير الدبابات التي لم تترك لمشاعر الفرح من فرصة؟ وكيف تكون التهنئة بغير زوال الآلام التي تعتصر الأمة حدّ الموت؟ما عهدناه ومنذ الصغر في مواسم الأعياد أن جهودا تُبذل من أجل نشر الفرح ليطال البعدين الاجتماعي والنفسي، فتتم التهيئة للفرح الذي يجيء على شكل احتفالية وإن كانت مرسومة ومحددة فلا بد أن تجد ما يخرجها عن منظومة إيقاعها التقليدي فتتحرر من أسر النمطية، وتتحرر معها الأنفس المرهقة بالروتين المملّ من أسر تراكم عليها طوال أيام السنة.
وكون الفرح ارتبط بالأعياد من زمن فإنّ الناس كانوا يعيشونه ذاتيا وبأقل الترتيبات المتاحة، الآن حتى هذا القليل الذي نبت بالدواخل تم قصّه كأي عشبة ضارة.
فبعد أن كان أهلنا يصنعون الفرح أصبحوا ينتقلون إليه باستهلاك سلبي بقناعة حُدّدت من قبل الظروف والأوضاع العامة، وهذه القناعة تفيد بأن الفرح المرتبط بالأعياد أصبح مجرد استثناء وترف وليس ضرورة وحاجة طبيعية للإنسان، كما أصبحت المناسبة الجالبة للفرح هي مدعاة للحزن بفعل حرمان آخرين منها.
وهذا الحرمان تجاوز كل الأشكال السابقة من فقر وفوارق اجتماعية واقتصادية، يمكن أن تلتئم بفضل المشاركة، إلى حرمان أقسى بفعل الحرب.
وقد كانت الفرحة الموسمية وذلك القليل المُرتجى الذي كان يأتي مع العيد لا يفي بإشاعة بعض هذه الروح، فما إن تنطوي صباحية العيد حتى يخلع الفرح رداءه ويخرج ثانية إلى غير رجعة قبل موسم جديد.
الآن وفي ظل هذه الأوضاع فليس هناك من جرأة للبحث عن هذه الصباحية، وعن أن تضع هذه الفرحة، ولو بسيطة ومباشرة حدّا لتمدّد الأحزان والكآبة والتجهم المرسوم على الوجوه، من أجل حياة كادت تتصحر جغرافية الفرح فيها.
الآن يأتي العيد «موسم الفرح»، وليس بأيدينا سوى أن نرتل من جوف الصمت الرهيب ألحانا جنائزية تعزف على وجوه الجميع.
وليس لدينا موسوعة تفاؤل لنصوغ منها خطبة العيد السعيد، فلن تكون بأية حال أشدّ من حالات الاحتضار، والدعوة لوصف الأكفان والقبور وتصوير لعالم الموتى.
ولن تحمل تمنياتنا بعضنا لبعض باقة تفاؤل أنيقة تُشيع البهجة، لأنّ ذلك الذي نريد هو السلام والذي يبدو أنّ النجم منه أقرب.
ماذا بقي من العيد بعد أن تبخرت خطبته، وأمنياته العزيزة، وتهدجت فيه أغاريد الصغار.
عيد وسط النزيف العربي
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
