مماطلة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل في فرض هدنة طويلة تمهد للدخول في مفاوضات لتحقيق مطالب الطرفين، تثير أكثر من تساؤل خاصة لدى حماس حول جدوى هذه المماطلة التي تمنح جيش الاحتلال الإسرائيلي مبررات منطقية للرد على صواريخ المقاومة التي تنطلق من غزة، وتكسب في الوقت نفسه العدوان الإسرائيلي شرعية دولية في قصف وتدمير أحياء كاملة في القطاع مزجت دماء الأبرياء بركام المباني والمنشآت المدمرة. وأيضا ارتكاب المزيد من جرائم الحرب ضد العزل من النساء والأطفال، وكبار السن وسقوط مزيد من الضحايا، بعد أن بلغ عددهم أكثر من ألف قتيل، إضافة إلى ستة آلاف جريح منذ بدء العدوان في 8 يوليو الحالي.
نعم من حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة رفع الحصار عنه، ومن حقه أيضا فتح معابر الحدود، التي تعد شريان الحياة له، وكذلك من حقه الإفراج عن الأسرى المحتجزين في المعتقلات الإسرائيلية، لكن ألم يكف حماس ما سقط من ضحايا لتمنح الفرصة للعقلاء لالتقاط الأنفاس من أجل التوصل إلى هدنة طويلة الأجل تلبي تحقيق الأهداف، بدلا من إصرارها على المماطلة والاستمرار في إطلاق آلاف الصواريخ (العبثية)، التي لم تسفر عن وقوع أضرار حقيقية في جانب العدو، إنما كان تأثيرها الأكبر سياسيا، وسببت إزعاجا للكيان الصهيوني، وهو ما أكده زعيمها خالد مشعل في خطابه الأخير من العاصمة القطرية الدوحة.
التأثير الإزعاجي لسلاح المقاومة أحال مدن غزة وأحياءها إلى ركام يحتاج عشرات السنين ومليارات الدولارات لإعادة إعمارها، من جديد، ناهيك عن الخسائر البشرية الفادحة التي حطمت محصلتها أرقاما قياسية لم تشهدها غزة من قبل. نعم هناك إزعاج سياسي لكن ثمنه كان فادحا، بشريا وماديا، وإن كان أثار تعاطف العالم وتأييده لمطالب الفلسطينيين في العيش بكرامة على أرضهم، وتحقيق مطالبهم في تأسيس دولة مستقلة.
لذلك، وبعد دعوة مجلس الأمن للطرفين بوقف فوري لإطلاق النار، يجب على عقلاء المقاومة الاكتفاء بما وقع، والموافقة على المبادرات الرامية إلى تطبيق هدنة طويلة والجلوس على مائدة التفاوض من أجل وقف نزيف الدم الفلسطيني، ولو على الأقل خلال فترة عيد الفطر المبارك، الذي طارت فرحته بالتعسف الإسرائيلي في استخدام القوة المفرطة. ما نخشاه أن يفقد العالم حماسه وتأييده للمقاومة مع إصرار الحركة على مواصلة إطلاق الصواريخ، وبالتالي رد إسرائيل بصورة أعنف في استهداف مزيد من الأحياء ومزيد من المدنيين الأبرياء.