«الكتابة بالنسبة لي ليست فعلا مقدسا تحوطه هالة من الإلهام العُلوي.. بل هي أبسط وأهم من ذلك بكثير، فالكتابة بالنسبة لي علاج لحماقاتي، وترتيب لحياتي.. الكتابة دواء»؟
كم عدد أطباء النفس الذين نحتاجهم للتعامل مع أمة مصابة بأسرها بالاكتئاب؟
أيبدو لك هذا السؤال مبالغة تهكمية؟ أؤكد لك أنه ليس كذلك، بل هو سؤال واقعي يؤرقني ليل نهار.
فالعرب يمرون الآن بلحظة تاريخية يستأثرون فيها عالميا بدور الضحية أيما استئثار، ويعصف بهم خصومهم من كل ناحية، بل إنهم يفرزون من أنفسهم أشرس أعدائهم، وهو الإرهاب الناتج عن التشدد الديني.
والعرب مكلومون بشهداء يتساقطون يوميا بالمئات من بني جِلدتهم، في فلسطين وفي سوريا وفي العراق وفي مصر وفي اليمن...إلخ.
والعرب – وربما يكون هذا هو الأنكى - خسروا أو أوشكوا على أن يخسروا ثقتهم في أنفسهم كأمة حية قادرة على الدفاع عن مصالحها، وتحقيق الازدهار والتقدم رغم أنف ما يواجهها من مصاعب وعقبات.
وهو حال يصيب بالاكتئاب قطعا، وقد اكتأبت الأمة، لا يخدعنكم عن ذلك فضائياتها الغنائية ومسلسلاتها الدرامية وأفلامها الكوميدية وبرامجها المقالبية!
فالاكتئاب فيروس خبيث يصيب نفوس الأمم والأفراد الذين أضعفت البلايا المتلاحقة مناعتهم، وانسدت أمامهم آفاق التغيير الإيجابي، وقد يكون من مظاهر اشتداد وطأته الانغماس الهستيري الإدماني في التسلية المفرغة من المعنى، وفي الولع الذي يصل حدود التعصب لفرق كرة القدم الأجنبية، كما أن الاكتئاب القومي الشامل يلعب – دون شك - دورا محوريا في زيادة معدلات تعاطي المخدرات، وكذا في موجة الإلحاد العاتية التي تضرب نفوس شبابنا، والتي ندفن رؤوسنا في الرمال لكيلا نراها!
لكننا لا نملك الاستسلام لرفاهية الاكتئاب وسلبيته الكسولة، لأننا لو فعلنا فسوف نقضي على أنفسنا وعلى أمتنا بخسران مستقبلنا، كما خسرنا حاضرنا.. تاركين أولادنا وأحفادنا في وضع ميؤوس منه، لا يملكون إلا أن يزوروا قبورنا – نحن الذين أورثناهم الفقر والجهل والمرض والتخلف المزمن- ليصبوا على شواهدها اللعنات!
والأسوأ أن الاكتئاب العربي الجماعي الذي نعانيه يُدخلنا في دائرة مفرغة من هزائم تلد هزائم، وتخلف يفرز تخلفا.. ولا بد لنا من الانعتاق سريعا ومهما كان الثمن.
لا أملك علاجا جماعيا سحريا يمكنه شفاء ملايين العرب في طرفة عين، مع أنني أتمنى ذلك من كل قلبي، لكنني أستطيع أن أصف دواءً للاكتئاب الفردي، جربته بنفسي، وعلى نفسي، فعصمني من التردي في مهاوي اليأس والكآبة في أتعس لحظات حياتي، وهو دواء ينصح به كبار مفكري العالم وروائييه وشعرائه؛ أعني الكتابة.
لست مضطرا – قارئي الكريم - لأن تشرع في كتابة روايتك الأولى التي تبز بها تولستوي، ولا ديوانك الشعري الذي تحجب به نجم المتنبي.. أنت لست مضطرا للكتابة للآخرين أصلا، كل ما أوصيك به هو أن تشتري دفترا متين الغلاف، وقلما مريحا، وأن تشرع في تسجيل مذكراتك يوما بيوم، وأن تبث فيما تكتبه وَجْدك وهمك للأوراق البيضاء، تلك التي ستنصت لك دون أن تقاطعك، أكتب بصدق واستفض في الاعتراف، وستكتشف أنك قد تخففت مما يثقل صدرك، وأنك صرت أقدر على النظر بوضوح إلى المستقبل..
وهنا يحين دور الخطوة الأهم، حيث عليك أن تضع لنفسك الأهداف العملية اللازمة لدفعك خطوة إلى الأمام، على أن يكون ذلك مصحوبا بجدول زمني للتنفيذ تُلزم به نفسك، لتراقب تطورك يوما بيوم.
وإياك أن تَشُق على نفسك، وأن تسقط في فخ جلد ذاتك إن قصرت عن تحقيق ما رسمتَه لذاتك من أهداف، فالمهم أن ترى أهدافك محددة أمام عينيك مكتوبة بقلمك على أوراقك.. وما لم يتحقق اليوم، ستحققه عزيمتك غدا، أو بعد غد.. ولا تنس أبدا أنك إنما تكتب لتتداوى.
هذا العلاج الذي أقترحُه لاكتئاب الأمة، لا يصلح طبعا لـ100 مليون عربي وعربية، يعانون من أمية الأبجدية، فلا يقدرون على كتابة ولا قراءة، وهؤلاء همهم أكبر من الاكتئاب، وخطيئتنا في حقهم، بتركهم على أميتهم لا تُغتفر، لكنهم لن يقرؤوا هذا المقال أصلا، وإن قُرئ لهم، فأكبر الظن أنهم سيهزون أكتافهم متعجبين، متمتمين «يا لهذا الكلام الفارغ!»
التداوي بالكتابة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
