كل عام وأنتم بخير.. تقبل الله الصيام والقيام وصالح الأعمال. عرف الناس العيد بالزينة؛ فالثياب والبيوت والأماكن الخاصة والأماكن العامة تزّين في أعيادها. فالعيد يوم الزينة.
والزينة من خلق الله: قال الله تعالى: “وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ” (الحجر: 16)، وقال تعالى: “ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ” (الصافات: 6).
والزينة من شرع الله، قال تعالى: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (الأعراف: 31- 31).
ولأن المسرفين والفساق أسرفوا في طلب الزينة والحرص عليها؛ أصبح بعض المسلمين يقف موقفا متباعدًا عنها، وكأنها منكرٌ محرم.
علاقة المسلم بالزينة لا ينبغي أن تفسدها الممارسة الخاطئة من الآخرين، الزينة ليست هي الغاية والهدف الأسمى في حياة المسلم، ولكن ليست هي من المعاصي التي يستنكف منها المسلم، وكأن الفوضى وعدم الجمال أقرب لروح الشريعة.
في زيارةٍ لمكتبٍ دعوي في الأحساء، أعجبتني كلمة قالها مديره وهو يشرح حرصهم على جوانب الجمال والنظام، يقول: لقد آمنت بلقيس عند سليمان بالإبهار، ولذلك ينبغي أن نعتني في دعوتنا بالفن والجمال والتنظيم.
لا يجوز أن نستنكف من الزينة وهي من خلق الله، كما نص القرآن على أن السماء الدنيا زيَّنها للناظرين، كذلك هي من شرع الله: “خذوا زينتكم”. فهذه المعاني الفطرية من حب النظافة والجمال والزينة لا تأتي الشريعة بتحريمها، فإن الفطرة السوية من خلق الله، والشريعة تُهذِّب ذلك وتزكيه.
إن بعض العيون الكافرة أدمنت على الزينة، ومن يدعو إلى الله لا ينبغي أن يحجب هذه العيون عن الإسلام بالتفريط في جوانب الجمال والزينة المباحة، ومعاني الإسلام الخالدة تستحق منا أن نعرضها في الثوب الأجمل والأزين. الأذان ينبغي أن نختار له الصوت الأندى، والقرآن ينبغي أن نقرأه بأجمل أصواتنا.
في مشاعر الحج تأسف لمناظر الفوضى والقذارة، وتتحرج من هذا المسلم الجديد الذي جاء من بلاد النظافة والجمال والنظام، وقطع طريقه الطويل يريد مكة عاصمة الإسلام، فيجد نفسه في انفصام حاد بين اختياره لأجمل الأديان، وما يراه من مظاهر أهله في شعيرة الحج.
لقد ارتبط الحج بهذه الفوضى حتى فقدنا الرغبة في التصحيح والتطوير، وأظن أننا سنجد من يعترض تديُّنًا على أي تطوير يخفف من هذه الحال، ويرى أن الحج لا بد له من شعث وتعب، وفرقٌ كبير بين الصبر على شَعَث الطريق، وبين طلبه والحفاظ عليه.
الوضوء على المكاره أجرٌ وقربة، ولكن طلب المكاره والحفاظ عليها من أجل الوضوء فيها بدعة منكرة، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنظر.
على أن الإسراف في الزينة وفي غيرها من أسباب غضب الله وعذابه، وهو من أسباب زوال النعمة، ويكفي في شؤم الإسراف والتبذير أن أصحابَها إخوان للشياطين: “إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)” (سورة الإسراء).
الجمال والزينة
عبدالله القرشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
