أذكر أن مسجد القرية الخارجي «مصلى العيد» كان لا يبعد عن البيوت أكثر من عشرين مترا.. خلاء عامر بالعشب، وضعوا له منبرا للخطبة ومحرابا وما تبقى منه رملٌ في رمل.
قبل ليلة العيد كنّا نأخذ البسط ونفرشها صفّين للرجال وصفا للحريم اللواتي لا أعرف كيف يأتين قبلنا رغم وجودنا خارج البيت قبل الشمس وبعدها، المهم أننا كبرنا وصلاة العيد هي هي لم تتغيّر.
وجدت كتاب «الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة ـ جمع العلامة الفاضل المصبوغ بصبغة الله المخضوب بفضل الله عبدالله بن حنين المخضوب رحمه الله وغفر لنا وله الذنوب»، وجدته متروكا مكان الإمام في مسجد القرية الجديد الذي أصبح قديما بعد أن انتقل ساكنوها بالقرب من المدينة الصغيرة الواقعة على الخط الرئيس الذي يربط المنطقة بمناطق أخرى، الكتاب نفسه الذي كرر علينا العمّ سليمان كل خطبه من صلوات الجمعة وحتى صلوات العيدين.
أحد الأعياد كان كل «الكبار» في الحج، وهو ليس عيد رمضان بالتأكيد، ولا أعرف من فتح ليلة العيد موضوع الصلاة والخطبة، لم يكن الكلام لنا الذين لم نتجاوز العاشرة أو الثانية عشرة، إنما كنا نحضر بدورنا المجالس، إذ لا سبيل آخر سوى أن «نخدم» فيها أو ننتدب لأعمال صغيرة.
العم سليمان الذي حفظنا خطبه وصرنا نرددها معه ذهب إلى الحج ومن ينوب عنه لا يقرأ وبقية الأبناء الكبار المتعلمين في الثانوية جالسون لكن أحدا منهم لم يجرب حتى إمامة صلاة عصر فما بالك بصلاة جهر وخطبتين ومنبر مبني من الطوب والاسمنت وشماغ جديد ونساء في الصف الأخير؟!
كلهم ارتعدوا من الفكرة وهربوا منها، واستقر الرأي على العم عبدالعزيز، لكنه اعترض!
سألوه لماذا؟
ـ المشكلة ليست في الصلاة، هكذا قال.
سألوه أجل؟
ـ لا أعرف متى أبكي!
ضحكنا وقتها تقليدا للذين ضحكوا، وكان العم عبدالعزيز يقولها مازحا ربما، إذ لم أعد أذكر هل ابتسم أم ضحك وقتها.
كان العم سليمان، رحمه الله، حينما ينتصف في إحدى الخطبتين يبكي من خشية الله، ويكررها في صلوات الأعياد فقط، إذ لم نسمع مرّة بكاء صلاة جمعة. وارتبط البكاء في خطبة الجمعة عند عبارة أخشى إن كتبتها أن أنقص منها أو أزيد، لكن علاقتها بالزلازل التي لا يعرف كيف تحدث ولا ما هي.
تركت هذه القصة أثرا كبيرا في طفولتنا. وأذكر أن العم عبدالعزيز خطب ولم يبكِ يومها، لكنني لا أذكر من علّق عليه بعد صلاة العيد غير العمّة «شماء» التي نُقل لها الكلام وكانت أختا كبيرة.
تذكرت تلك الخطبة وأنا أستمع إلى خطبة الجمعة الفائتة من أحد الخطباء المعروفين وكان صوته مجلجلا وهو يذكر للمصلين النار والحطب والعياذ بالله، وحين وصل إلى الزلازل والمحن والفتن وعذاب القبر بكى.
في سنوات ما بين هاتين الحادثتين كانت معظم خطب الجمعة تتوعد اليهود والنصارى وأضيف إلى النصارى العلمانيون، بعدها أو في وقتها كانت نصرة المجاهدين في أفغانستان ثم البوسنة والهرسك، ثم الدعاء على الليبراليين واستمر الأمر بالدعاء على...
ما تبقى من هذه الخطب هو نبرة الخطباء التي تدغدغ مشاعر المصلين، وهذه لا يجيدها إلا الراسخون في الخطبة والخطاب، نبرة التخويف التي يفترض أننا نتذكرها يوميا من قراءة القرآن وآياته التي تعد المؤمنين الصالحين بالجنّة والرضا والمحبة والسلام والأنهار، وتنذر الكافرين والمشركين والمقصرين بنار وقودها الناس والحجارة.. نسأل الله السلامة.
إحدى المرات، وهذه حادثة أخرى، كنا في مقبرة لدفن أحد الموتى المؤمنين، وكعادة وعاظ القبور يأتي أحد المحتسبين ليقف ويذكّر بعذاب القبر بينما أهل الميت يريدون النسيان وقتها ومن يذكّرهم بالرحمة والجنة، وحين انتهى من وقت الموعظة قال «وكفى بالموت واعظا»!
التفت إلى من بجانبي مستغربا من هذه النهاية التي أنجبت واعظا لم يكتفِ بالموت وحالة المعزين واجتر خطبة عصماء لا وقت لها لكي ينهيها بما يجبّها أصلا، أي إنه لم يتذكّر حتى كلام الله الذي يردده للحسبة والاحتساب.