يظن بعض الناس جهلا منهم أو تجاهلا أن الإسلام إنما جاء بالجد والحزم الذي لا لين معه ولا بهجة، وأن مقتضى الالتزام به أن يعيش المرء مع العزائم والعظائم وينسى حظ نفسه من الأنس والبهجة التي يحتاجها بفطرته، وأنه مثاب على هذا العناء في الدنيا وسينال عوضه في الجنة، وأن علاقة المسلم بدنياه إنما جاءت على هذا المنوال في كل جوانبها، ومثل هذا الموقف ليس إلا جهلا مركبا كما يقال، فلا يوجد دين ولا نظام حياة ضبط حالة التوازن هذه بين الجد والحزم والحزن من جهة وبين الفرح والسرور من جهة أخرى كما هو الحال في الإسلام، فالإسلام كما هو معلوم بداهة لم يأت على خلاف فطرة الإنسان المجبول على الحاجة للترويح والأنس، والنافرة دوما من الملل المصاحب للجد الدائم، بل لم يترك الأمر مفتوحا للاختيار في ذلك بين من يريد الحياة مغلقة جافة، ومن اختارها هازلة فارغة فوضع قدرا لا خيار للمرء فيه بل هو من عبادة الله تعالى المطلوبة شرعا، ومن أظهر الشرائع في ذلك شريعة العيد في الأضحى والفطر والتي يسن فيها التزين وإظهار السرور ويحرم فيها الصوم ويصلي فيها الناس مع بعضهم في مظهر شكر لله واحتفال بإكمال العبادة والطاعة، ومن هذا القبيل أيضا شريعة مأدبة الزواج والعقيقة، ومنها الحث على التبسم واعتباره صدقة يثاب عليها المسلم، ومنه مشروعية المزاح إذا كان بحق وغير ذلك، وحياته صلى الله عليه وسلم كانت مزيجا فريدا من الأحوال البشرية الطبيعية المتوازنة، فبرغم ما مر به من بلاء وأذى وإخراج من أرضه وحروب وقتل لأصحابه وفقدان لولده وزوجه، إلا أنه كان يفرح في الأعياد ويستقبل أصحابه بالابتسامة والبشر ويضاحكهم ويمازحهم ويسعد زوجاته في العيد بالمباحات ويحرص على إظهار فسحة الدين.
وكل استسلام لإحدى الحالتين دون الأخرى خروج عن منهجه صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة القدوة، وقد اقتضى هذا العيد وهو يأت في زمن مملوء بالنكبات والمصائب على المسلمين في بقاع كثيرة أن نذكر بهذا المعنى لتبقى النفوس على حالة من التوازن فإن استغلاقها وانجرافها إلى حالة الحزن المتزايدة دون ضبط مفض لليأس والانقطاع، وهذه المآسي تستحق الألم بلا شك وهي كامنة في النفوس ولم تغادرها في كل لحظات العيد، ومع ذلك فمن الواجب أن يدفع المسلم استحكامها على نفسه بشيء من الفرح التعبدي لتتوازن وتهدأ، ولذلك فعيدكم سعيد بإذن الله ولعل الله أن يعقب هذه الآلام بالمسرات والأفراح.
عبودية الفرح
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
