مورتن ستورم رياضي أوروبي في سباق الدراجات تحول إلى متشدد إسلامي، ثم انتسب إلى تنظيم القاعدة الإرهابي وأصبح مقربا إلى بعض أبرز المتطرفين الذين يشرفون على عمليات التنظيم في العالم، ثم تحول إلى جاسوس، ومن ثم إلى مخبر.
هل تبدو هذه خلطة غير عادية؟ نعم. لكنها حقيقية.
نشأ مورتن ستورم في مدينة ساحلية قاسية في الدانمرك ينتمي سكانها إلى الطبقة العاملة. كان والده مدمنا على الكحول ولذلك كان كثيرا ما يصطدم مع والدته، ومن ثم انتهت علاقة الأبوين بالطلاق.
تزوجت والدته من رجل كان يسيء معاملته إلى درجة كبيرة، وكان كثيرا ما يضربه لسبب أو لغير سبب، ولذلك لم يكن من الغريب أن ينحرف ستورم ويدخل عالم الجريمة. ارتكب مورتن ستورم أول سرقة مسلحة وهو في بداية عمر المراهقة ولم يكن قد تجاوز سن الـ13 بعد. تلا ذلك طرد ستورم من عدة مدارس، ودخل عدة مدارس خاصة، لكن مستقبله الدراسي كان محكوما بالفشل بسبب سلوكه الشرس.

احتراف الرياضة

انتسب إلى ناد للملاكمة على أمل احتراف الرياضة، لكن عدم انضباطه في المواعيد والتمرين قاده إلى الفشل.
لم يكن ستورم قد تجاوز الـ16 عندما انضم إلى عصابة كانت تتألف بشكل رئيس من مهاجرين فلسطينيين وأتراك وإيرانيين يسكنون في الجوار.
ويقول ستورم عن فترة استمرت نحو عقد من الزمن قضاها داخل دوائر النشاط مع المتشددين الإسلاميين ومع أجهزة مكافحة الإرهاب في دوائر الاستخبارات الغربية: “انجذبت إليهم.
شعرت وكأنني غريب في كورسور (الدانمرك) وكنت دائما أتعاطف مع المظلوم”.
بعد أن ترك ستورم عصابة الحارة ذات النشاط المحلي، انضم إلى عصابة من قائدي الدراجات، وكان يستمتع بأعمال العنف والمخدرات والعلاقات مع الفتيات.
عندما بلغ سن الـ21، في 1997، وجد كتابا يروي سيرة حياة رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في مكتبة محلية.
أثرت بساطة ووقار حياة محمد، في ستورم وأعجب بقصة محاربته للصعاب وقتاله من أجل قضية؛ وشعر بأن مبادئ الإسلام تستطيع أن تحقق له الحياة الكريمة التي يطمح إليها، ولذلك أحس بنوع من “التضامن والولاء” مع المسلمين.

اعتناق الإسلام

اعتنق ستورم الدين الإسلامي واستمتع برفقة المسلمين الآخرين الذين كان قد تعرف إليهم في الحي الذي يسكنه.
لم يكن أي منهم يأخذ قيود الدين بما يكفي من الجدية ولم يكونوا يعرفون كثيرا عن تعاليم الإسلام العميقة.
احتفل أصدقاؤه باعتناقه الإسلام في حفلة تناولوا فيها الكحول حتى الثمالة.
لكن دخوله السجن وتعرفه إلى مسلمين أكثر تشددا خلف القضبان ساعد على تقوية علاقته بالدين الإسلامي وغير مفهومه عن العالم ما وراء بلده الأم، الدانمرك.
عندما ذهب إلى لندن هربا من أعضاء عصابته السابقة الغاضبين، انتهى به الأمر في مسجد ريجنت بارك؛ وهناك حصل على منحة لدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي في مدرسة دينية متشددة في اليمن.
قبل ستورم المنحة وذهب في أول رحلة له إلى الشرق الأوسط، وكانت تلك أول خطوة له في رحلة غير عادية استمرت نحو 15 سنة من التطرف في بريطانيا، والدانمرك، واليمن.

إلى اليمن

بعد أن تعلم ستورم اللغة العربية وتشبع بتعاليم بعض أشهر المفكرين الإسلاميين المتشددين، غادر ستورم اليمن متوجها إلى بريطانيا.
كان ذلك في نهايات التسعينات من القرن العشرين، وكانت لندن تعج بالمتشددين الإسلاميين المنفيين الذين كانوا يدعون لارتكاب أعمال عنف في الخارج.
سرعان ما وجد ستورم أصدقاء جددا في لندن، بعضهم قام فيما بعد بارتكاب أعمال إرهابية، كما قضى بعض الوقت مع عمر بكري محمد فستق، زعيم تنظيم المهاجرين الإسلامي المتشدد.
كان الإسلاميون المتشددون يمارسون نشاطاتهم على هامش المجتمع البريطاني من جميع النواحي: الثقافية والسياسية والاجتماعية.
كانوا يسكنون في شقق بسيطة في مبان فقيرة تابعة للبلدية، وكانوا يعتمدون في أمور حياتهم على مساعدات مالية من دوائر الرعاية الاجتماعية وعلى ارتكاب جرائم بسيطة – وأحيانا على جرائم أكثر خطورة- وعاش ستورم وأصدقاؤه في عالم من الشبان الذين يعيش كثير منهم بشكل غير قانوني في بريطانيا بعد انتهاء مدة تأشيرته، وكانوا يضعون مقاطع فيديو عنيفة على الانترنت، ويقدسون بعض المشايخ، وكان معظمهم يعانون من الإحباط والإحساس الشديد بالغربة.

تأثير أنور العولقي

يكشف الكتاب نشاط المتشددين الإسلاميين ويظهره على أنه قريب لأعمال الهواة، لكنه مع ذلك يشكل خطرا لا يستهان به على المجتمعات الغربية.
رغم أن الجمعيات الإسلامية والروابط بين المسلمين أوجدت عائلة حاضنة وشكلت نوعا من المجتمع المغلق، كانت أيضا مرتبطة مع شبكة عالمية من الأشخاص الذين يشتركون في نفس الفكر والهدف.
كانت مؤهلات ستورم كمتشدد تتأكد بشكل متكرر بسبب قربه الواضح من بعض الناشطين والمنظرين المعروفين.
أبرز هؤلاء الناشطين والمنظرين الذين لعبوا دورا مركزيا في حياة ستورم كان أنور العولقي، وهو متشدد إسلامي مولود في الولايات المتحدة من أصول يمنية، والذي عدّته الاستخبارات الغربية فيما بعد أنه يأتي في المرتبة الثانية بعد أسامة بن لادن في كونه يشكل تهديدا على أمن الدول الغربية.
العولقي، وهو ابن أحد أبرز القادة القبليين، كان قد دعا ستورم لتناول العشاء عندما كان الشاب الدانمركي المسلم في اليمن في أوائل 2006، وتأثر ستورم به إلى حد كبير.

بداية المشكلة

بدأ ستورم يشعر بعدم الارتياح.
كانت مشكلته الأساسية تكمن في الاستهداف دون تمييز، بين رجال ونساء وأطفال ومدنيين أبرياء، في أعمال العنف التي كان تنظيم القاعدة يقوم بها.
وهكذا يقول ستورم أنه بدأ يعيد التفكير في الذرائع التي كان تنظيم القاعدة يسوقها لتبرير قتل وتشويه كثير من الأبرياء.
ويقول ستورم “الآن بدأت أفكر في أبراج مركز التجارة العالمي، وفي تفجيرات بالي، وتفجيرات مدريد في 2004، وتفجيرات لندن في 2005”.
كان ستورم يشك أن الله يمكن أن يأمر بارتكاب مثل هذه الأعمال الفظيعة، ولذلك قرر أنه “لا أريد أن أكون جزءا منها”.
ويعترف ستورم أن هذه الأعمال الإرهابية العنيفة جعلته يفقد جانبا من إيمانه لأن هذه الممارسات لم تتوافق مع المبادئ التي دخل الإسلام من أجلها.
ولم يكن ستورم وحيدا في ذلك.
ويقول الصحفيان بول كرويكشانك وتيم ليستر، وهما يعملان في شبكة CNN الأمريكية للأخبار وشاركا ستورم في تأليف هذا الكتاب، إن عشرات الملايين من المسلمين، بما في ذلك بعض الذين كانوا متعاطفين مع أهداف المتطرفين في الفترة التي تلت الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق، بدأت تراودهم نفس الشكوك حول هذه الأعمال الإرهابية.
من المغرب وصولا إلى ماليزيا، مستويات التأييد التي كانت مرتفعة في 2004 و2005 بدأت تهبط وتتراجع بقوة بحلول 2007.

  • الكتاب: العميل ستورم: حياتي داخل القاعدة ووكالة الاستخبارات المركزيةAgent Storm: My Life Inside al Qaeda and the CIA
  • الكاتب: مورتن ستورم، بول كرويكشانك، تيم ليستر Morten Storm, Paul Cruickshank, Tim Lister
  • الناشر: اتلانتيك موثلي بريس، 2014

عالم الجاسوسية وخسارة الجائزة

حاولت الاستخبارات البريطانية -والاستخبارات الدانمركية كانت قد حاولت قبل ذلك- تجنيد مورتن ستورم للعمل لصالحها، لكنها لم تنجح في ذلك.
ولكنه بعد أن تنكر لـ”إخوته” السابقين، بحث عن بطاقة كانت تحمل رقم أحد عناصر الاستخبارات الغربية واتصل به.
منذ ذلك الوقت، بدأت قصة ستورم تتسارع لتصبح شبيهة بالروايات الجاسوسية المشوقة.
تفاصيل مثيرة من مشاركين حول محاولات الاستخبارات الغربية اغتيال قادة بارزين في تنظيم القاعدة، ووصف ستورم لاجتماعات وجلسات تدريب ونقاشات تكشف كثيرا من الأسرار.
ويروي ستورم تفاصيل سلسلة من الأحداث خلال عمله كمخبر مع الاستخبارات البريطانية والاستخبارات الدانمركية وفيما بعد مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وصف ستورم لعملاء الاستخبارات الغربية لا يبعث على الفخر.
فهو يصف عملاء الاستخبارات الدانمركية بأنهم يحبون مغازلة النساء ويشربون الكحول بكثرة، والبريطانيون مهووسون بالأنظمة والقوانين لدرجة تؤثر على كفاءتهم، وعملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية متغطرسون ويمتلكون كثيرا من الأموال، وجميعهم لا يعملون بشكل فعال.
علاقة ستورم مع جميع وكالات الاستخبارات الغربية تفككت في النهاية بعد أن قررت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قتل أنور العولقي.
ستورم يدعي أن محرك أقراص صغير لذاكرة الكومبيوتر سلمه لأنور العولقي هو الذي قاد الأمريكيين إلى هدفهم ونجحوا في تحديد مكانه واغتياله.
وكالة الاستخبارات المركزية نفت ذلك وخسر ستورم جائزة بقيمة 5 ملايين دولار كان قد وُعد بها.
وكان قد اختلف مع الاستخبارات البريطانية قبل ذلك بفترة طويلة.
علاقته مع الاستخبارات الدانمركية انتهت بشكل سيئ أيضا بعد أن قرر كتابة قصته ونشرها.