في الحرب على غزة، خاضت حكومة إسرائيل، أصعب اختبار لجدارة سياستها المتطرفة، وأصبح منطق المجافاة التامة لعملية التسوية، أمام مأزقه المحتّم، الذي لا بد أن يصطدم به آجلاً أم عاجلاً. فالمنهج المشتق من عقلية المتطرفين الصهيونيين وهواجسهم وجموحهم الاستيطاني؛ يؤسس للحرب تلو الأخرى. وهؤلاء يعرفون ذلك، ويرون أن طريقهم الوحيد الذي اختاروه، هو إفقاد الطرف الفلسطيني أية قدرة على إيلامهم أو التصدي لهم. وفي هذا السياق، أصبح إنجاز هذه المهمة، يتطلب بالنسبة لهم، اعتماد خطين من التعدي على حياة وأمن الفلسطينيين. واحد يعتمد في الضفة، أسلوب كَي الوعي بنيران متفرقة بين الحين والآخر، فيسقط الشهداء الفلسطينيون في أوقات قد تتباعد أو تتقارب، لكن الخط الممتد -حسب تقديرهم- يكرّس خشية الفلسطينيين من المواجهة والاستمرار في تجنبها تلافياً للأفدح. أما في قطاع غزة، فإن الأمر يتعلق بشن الحرب بين فترة وأخرى، وهي حرب تبدأ بالإعلان عن هدف ميداني، قوامه الإجهاز التام على القوة النارية للمقاومة، وفرض السكون عليها عجزاً. وما إن ينقشع غبار الحرب، ويتورط المعتدون مع الجريمة والإثم والولوغ في دم الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ؛ حتى يصطدم هؤلاء بحقيقة فشلهم وخيبتهم وتعفف عالم الآدمية من أفاعيلهم. عندئذٍ يُفاقمون كراهية الشعوب لهم. في أثناء كل عدوان، يلمس المتابعون والمتألمون في كل أصقاع الدنيا، حقيقة أن هؤلاء، بطبيعة تفكيرهم وذهنيتهم، لا يتوقفون عن طبائع الشعوب وحيثيات المجتمعات، ولا يحسبون ولا يقيسون بناء عليها. يريدون جعل العربدة، بالتفوق العسكري، نظام حياة في هذه المنطقة المسكونة بغيظ مكظوم، بحكم واقع الحصار والاستلاب ونكران الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للفلسطينيين.
في الحرب الأخيرة، استأنسوا بعُزلة «حماس» بعد أن تورطت في التناغم مع جماعة «الإخوان» في مصر وتبنت مواقفهم. صحيح، كان الأوجب أن تعتذر»حماس» للجماعة، عن التناغم معها، بحكم الحصار واحتمالات العزلة، والحاجة للجميع، وظروف وطنية فلسطينية لها ضروراتها، تحتم عليها عدم تبني أي موقف في خلاف داخلي في أي بلد عربي. لكن الأمر، عندما يتبدى في فظاعة المجازر، ويُسفك الدم الفلسطيني؛ تسقط الحواجز بين القوى الفلسطينية، ويتوحد الوجدان المقاوم، لأن الموت مع إيلام العدو، أقل مضاضة من الموت بغير إيلامه. وفي الحقيقة، كانت «حماس» وفصائل أخرى مقاومة تركت لها أعباء الحكم في غزة؛ تُعد نفسها بعد كل حرب، لأداء أقوى، وقد استمرت في إعداد نفسها للحرب المتوقعة في كل حين، بدءاً من اليوم التالي لكل هدنة. وهناك في الإقليم، من ينقلون إلى غزة، خبرات عسكرية ولوجستية، ترفع مستوى الموقف الميداني للمقاومين. في هذا السياق، حُفرت شبكة أنفاق، وتضاءل الاعتماد على السلاح الصاروخي المهرب، لصالح تقنيات تصنيع محلي، وتحسنت مستويات الإطلاق، وإن كانت عبوات الرؤوس التي تنفجر، أقل زخماً بكثير، من العبوات التي تدفع القذيفة إلى مسافات أبعد. والمحتلون المتطرفون، راهنوا على الطيران، لكن هذا الطيران أحرج حليفتهم الولايات المتحدة، واستثار غضب الأوروبيين والعالم، لأن الطائرة الأحدث في العالم، عندما تقصف المنازل، ترتسم على الفور، وقبل معرفة النتائج التدميرية، جناية المهاجمين. دم الأطفال وأشلاؤهم، يفضح ذرائعهم، وبخاصة مع تكرار القصف العشوائي، ليصبح المؤيدون لإسرائيل بذريعة «حقها في الدفاع عن النفس» يستهجنون قتل أطفال على شاطئ البحر، أو في المنازل، ولا يرون في ذلك دفاعاً عن النفس!
في القصف المكثف، بالطيران الحربي، ربما يتهلل مؤيدو إسرائيل فرحاً، لو أن الصواريخ الثقيلة من الجو، دمرت بُنية عسكرية أو أنساقاً للنيران، توطئة لتوغل سهل. لكن التوغل عندما يكون مكلفاً وصعباً للغاية، طالما أن هناك مقاومين مستعدين للاستشهاد، يهاجمهم جنود ترهبهم فكرة الموت؛ فإن التعويل على الطيران يستمر، والدماء تسيل بغزارة، ويصبح الضحايا مرئيين للعالم، بفئات أعمارهم وببراهين براءتهم!
هنا، يكون رعاة الاستيطان والانسداد السياسي، قد صعدوا إلى الشجرة، ولا يعرفون كيف ينزلون. والشعوب على الأرض، قرب الشجرة أو بعيداً عنها، يلعنونهم. فإن أوقفوا العدوان، ولم تنجح مهمتهم، يحكمون على أنفسهم بالخيبة والفشل، وإن استمروا فإن أزمتهم تتفاقم، في العالم وأمام جمهورهم، لا سيما عندما يفقد عدد معتبر من الجنود حياتهم. وبحكم هذا الواقع، يفقد المتطرف مرتكب الجنايات لغته، فلا يعرف طريقاً للهدنة، ولا طريقاً للرجوع، مع إحساس متنامٍ، بأن الجريمة تعلو وصولاً إلى تسوية يتوجب فيها الاستنكار من الحلفاء قبل الأعداء!
المقاومون بدورهم، يتحينون لحظة التوغل، طلباً للاشتباك بين الجندي المهاجم والمقاوم المدافع. هذه المرة، لا يقبل المقاومون بأقل من تصفير كل ما فعلته حكومة الاحتلال بعد الهدنة السابقة، فضلاً عن رفع الحصار الذي يخالف شرائع الأرض والسماء. في هذه اللُجة، خاض الوسطاء، وتعرّقت جباههم واختلطت المسائل. طرفان أحدهما يمثل الباطل وجبروت القوة المتفوقة، والثاني يمثل الحق في الحياة والحرية. إنه درس قاسٍ للأغبياء المتطرفين الصهاينة، الذين أتيحت لهم طريق السياسة، فاستنكفوا عنها واختاروا هواجسهم واعتمدوا منطق القتل والتدمير!