مر الوعي السياسي العربي بحالات مخاض على مدى قرن من الزمان، فكان في بداياته وقبل زوال الاستعمار ضئيلا محصورا في عدد من العقول المؤثرة في الوعي العام، نظرًا لتدني نسبة التعليم في ذلك الوقت، ولنقص شديد في وسائل التواصل.
وعي خديج لم يتمكن من معرفة ما له وما عليه، خصوصًا في بداية تواجد الدولة الصهيونية في قلب العالم العربي، والذي لم يكن عربيًا بالمعنى الخالص حينها، فكانت أجزاؤه مستعمرات مختلفة اللغة والسياسة والشكل، ولكن الوضع تبدل، وبدأ التعليم يشيع شيئًا فشيئًا بين المجتمعات، وأصبح المفكرون بالوعي أكثر تواجدًا.
وفي تلك الحقبة بدأ الصراع بين اليهود، والعرب يتخذ أوضاعًا مختلفة، وتدخلت الدول العظمى، وأضحى النزاع هو المؤشر الحقيقي على وجود الوعي من عدمه في جميع الدول العربية، والتي اتخذت منه نقطة ارتكاز لسياساتها، ولتكوين ثقافتها.
مشكلة وجود هذا الكيان الغريب كانت حجر الأساس، الذي جعل الوعي السياسي العربي يتشكل من خلال حروب 48 والنكسة، والعبور، وما حصل بعد ذلك من مؤتمر كامب ديفيد، والدعوة للسلام.
الوجود اليهودي والصهيوني في المنطقة لم يكن متفقا على رأي واحد فيه بين العرب، وهذا ما جعل الوعي العربي يتشتت، بل ويتناحر، خصوصًا بعد دعوة السادات للسلام، فكانت أراء المثقفين العرب كالاتي:
1. أن كيان إسرائيل مختلق بالكامل، وأنه لا وجود لجذور ولو بسيطة له في منطقة الشام، وأنه كذبة كبرى اختلقها الغرب الاستعماري، ولا بد من اجتثاثها بالقوة والسلاح مهما طال الزمان.
2. أن هذا الكيان يتكون من طرفين، الأول: هم يهود فلسطين، (أقلية بسيطة من الممكن أن تستوعبهم الدولة الفلسطينية، مثلما تستوعب كثير من الدول العربية أقلياتها دون أن يستلزم أي وضع سياسي أو اجتماعي خاص بهم)، والطرف الثاني: وهم الصهاينة من شذاذ الأرض، وهؤلاء لا بد من طردهم.
3. وهذا هو الرأي الخافت، والذي يهمس به بعض المثقفين، ممن لا يريدون أن يظهروا في الصورة، فيعدون من أعداء الأمة العربية والإسلامية، بكونهم مؤمنين بأن اليهود كانوا في هذه المنطقة تاريخًا وأنبياء وأمة وشعبًا، وأن لهم الحق في العيش على أرض فلسطين، ولتجاوز صعوبة التعايش بينهم وبين العرب والمسلمين فإن لهم الحق في تكوين دولة مستقلة بهم، وأن جلبهم ليهود العالم ليس إلا لإعادة التوازن البشري لدولتهم السابقة، ليتمكنوا من العيش وهم محاطون من كل الجهات بدول عربية.
شروخ نفسية عاشتها الأمة العربية بين تلك المعتقدات الثلاث، فكانت خارطة سياسات الدول العربية الداخلية والخارجية تتشكل على أحد تلك الآراء وإن لم يصرح بها الرأي الرسمي للدول، رغم قيام بعض الدول العربية بالتطبيع مع الدولة اليهودية، إما علنا وإما سرًا.
عدم وضوح الوعي العربي جعلنا كدول وشعوب عربية في حالة من الضياع، استنزفت معطياتنا ومكتسباتنا، لمطاردة أحلام تختلف باختلاف الدولة والوقت والحاكم، ففاروق لم يكن كجمال عبدالناصر، والذي بدوره لم يكن السادات، ولا مبارك، ولا مرسي، ولا السيسي، وقس على ذلك بقية حكام العرب قديمهم وجديدهم، لتجد أن وضوح التوجه والفكر السياسي لم يكن مكتملًا عند الأغلبية، مما جعلنا ندور في نقطة واحدة، بل ونتقهقر بين الدول يومًا بعد يوم.
الصف العربي ليس واحدًا، ولم يكن كذلك طوال القرن الماضي، ولن يكون مستقبلًا، ما دام الوعي غير متفق.
ونحن كعرب محبطون، فلا نتوقع تنسيق معابر الوعي بين المثقفين، ثم تمريرها للمجتمعات، فالخلافات ليست فقط بين المثقفين، ولكنها تزداد شراسة، وتنافرًا بين المجتمعات، وبين الجماعات، وبين الأفراد أنفسهم، حتى إنها تشعرنا بأن شبه الاتفاق مستحيل، وحتى لو اتفق المثقفون والساسة على نهج معين، فستخرج عدة فرق بعضها ديني، وبعضها عرقي، وبعضها بلا هوية، وتحاول فرض وعيها على الوعي العام، ولذلك فستظل مشكلة فلسطين، نظام حمية شديد القسوة على عقولنا وشبابنا وقدرتنا على التقدم.
تخبط الوعي العربي
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
