لا تتردد وزارة الداخلية عند تنفيذها لحد القصاص في الجناة، ممن ارتكبوا جرائم القتل أو الاغتصاب أو ترويع الآمنين أو تهريب المخدرات، في التشهير بهم وبجرمهم أيا كانت هوياتهم أو جنسياتهم.
ولا تكتفي الوزارة بتنفيذ حكم الله فيهم على رؤوس الأشهاد وفي ساحة عامة فقط، بل تتلو على مسامع الحاضرين الجرم الذي ارتكبوه وأدى بهم إلى هذا القصاص، وإعلان ذلك في وسائل الإعلام المختلفة.
ومؤخرا دأبت وزارة التجارة إلى اعتماد ذات الأسلوب ضد من يخالف أنظمتها وقوانينها، ويتسبب بمخالفته إحداث أضرار فادحة لمجتمع المستهلكين.
في المقابل نجد أن وزارة العدل، ولأسباب غير مفهومة على الأقل بالنسبة لي، تعطل عقوبة التشهير ضد من ارتكبوا جرائم الرشوة والتزوير أو تورطوا في أعمال إرهابية وتمت إدانتهم شرعا، حيث تبث بياناتها مشفرة برموز ودلالات تفقد تأثيرها المطلوب لدى المتلقين.
أثناء كتابتي لهذا المقال اطلعت على دراسة أعدها الدكتور عبدالله
بن محمد الرشيد، الأستاذ بقسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تحت عنوان «أحكام التشهير وحالاته في الشريعة الإسلامية»، أوضح فيها جوانب عدة من «التشهير» كعقوبة تعزيرية مقرة في الشريعة الإسلامية.
وبين الباحث أن تعريف التشهير «هو الإعلان عن جريمة إنسان والمناداة عليه بذنبه على رؤوس الأشهاد، وخاصة في الجرائم التي يعتمد فيها المجرم على ثقة الناس به حتى يعرفوه فيحذروه»، موضحا أن التشهير إذا كان من أجل المصلحة العامة فينبغي أن يكون الغرض منه تحذير عامة الناس من بدعة المشهر به أو الاغترار بما في مؤلفاته من الضلال أو التحذير من فتاواه الضالة أو غير ذلك من الأسباب التي شرع التشهير من أجلها.
ولم يغفل الباحث الإشارة إلى الكيفية التي يكون بها التشهير سواء في وسائل الإعلام كالإذاعة والتلفاز والصحافة أو في وسائل التعليم كتأليف الكتب والرسائل والنشرات ونحوها التي تتضمن التحذير من خطر هؤلاء على الأمة وذلك بذكر عيوبهم ومساوئهم لعامة الناس. كما حدد الحالات التي يكون فيها التشهير واجبا أو محرما، مستدلا على ذلك بأقوال بعض علماء السلف وغيرهم.
الغريب أن عقوبة التشهير بالرغم من ثبوت جدوى تطبيقها لدى بعض دول الجوار في الحد من العديد من الظواهر الأخلاقية، إلا أنها ما زالت غائبة لدينا، تحت ستار الستر حينا، ومراعاة أسر المذنبين حينا آخر.
وحقيقة لا أعلم ما الرسالة التي نرغب في إيصالها لكل من يتجرأ على ارتكاب جرائم إفساد في المجتمع وانتهاك للأعراض، سواء فكريا أو أخلاقيا، ولا تطاله هذه العقوبة؟ هل نريد له أن ينام قرير العين وضحاياه يتلظون بنار جرمه؟ أم نفضل أن تمنعه هذه العقوبة عن ارتكاب الجرم، كون آثارها لن تطاله وحده إن أقدم عليها، بل ستلتصق بنسله وأهله؟   

 

[email protected]

alnowaisir@