للمرة الثالثة خلال خمس سنوات، يشن رابع أقوى جيش في العالم هجوما شاملا على إحدى أكثر المناطق حرمانا وازدحاما في العالم. منذ بداية القصف الإسرائيلي لقطاع غزة وحتى كتابة هذا المقال، قُتل أكثر من 900 فلسطيني. نحو 80 % من القتلى هم من المدنيين، و20 % منهم من الأطفال. كما أصيب نحو 5.500 فلسطيني ودُمر 1.800 بيت في غزة. حتى الآن، النيران الفلسطينية قتلت أكثر من 30 إسرائيليا.
ولكن بدلا من المطالبة بوقف الحملة الإسرائيلية للعقاب الجماعي ضد الأراضي المحتلة، ألقت القوى الغربية اللوم على الضحايا لأنهم ردوا على العدوان. القادة الغربيون ادعوا أنه لولا الصواريخ التي تطلقها حماس من غزة لانتهى حمام الدم. ربما ليس غريبا أن تنحاز دول قامت بغزو واحتلال دول عربية أو إسلامية خلال العقد الماضي إلى جانب محتل آخر يمولونه ويسلحونه.
أحداث العنف الأخيرة يُفترض أنها بدأت بسبب خطف وقتل ثلاثة شبان إسرائيليين في الضفة الغربية في يونيو، وهي حادثة نفت حماس مسؤوليتها عنها. لكن الحقيقة هي أن أعمال العنف جاءت بعد انهيار المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، برعاية أمريكية، والتي كانت تهدف للوصول إلى تسوية نهائية للصراع بين الطرفين. تلا ذلك تشكيل حكومة مصالحة وطنية من حركتي حماس وفتح. عند ذلك صعدت إسرائيل عمليات الاقتحام والقتل في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك الهجوم على مدنيين فلسطينيين من قبل مستوطنين مسلحين في الضفة الغربية. في شهر مايو، قتل الجيش الإسرائيلي مراهقين فلسطينيين ولم يثر ذلك اهتمام العالم على الإطلاق.
من الواضح الآن أن الحكومة الإسرائيلية كانت تعرف منذ البداية أن الشبان الإسرائيليين المختطفين كانوا قد قُتلوا من الساعات الأولى. لكن تم إخفاء الخبر وأطلقت حملة إعلامية وعسكرية واسعة ضد حماس في الضفة الغربية. اعتقلت إسرائيل أكثر من 500 ناشط وقتلت عددا من الفلسطينيين – بالإضافة إلى اختطاف المستوطنين لمراهق فلسطيني وإحراقه حيا. كان من الواضح أن نتنياهو يهدف إلى الإشارة إلى أن الاتفاق الذي وقعه محمود عباس مع حماس ليس مقبولا في إسرائيل.
غزة لم يكن لها علاقة بعملية الاختطاف، ومع ذلك شنت إسرائيل هجمات على القطاع وقتلت ناشطين من حماس. عمليات القتل هذه، بالإضافة إلى الحملة الإسرائيلية ضد حركة حماس في الضفة الغربية، هي التي دفعت حماس لإطلاق صواريخها على إسرائيل، وبالتالي ردا على القصف الإسرائيلي المدمر.
يتم إلقاء اللوم حاليا لرفضها القبول بالخطة المصرية لوقف إطلاق النار. لكن بعد كل هذه المعاناة، يعتقد كثير من سكان غزة أنه لا يجب القبول بأي هدنة جديدة دون رفع الحصار الخانق الذي يعاني منه سكان القطاع منذ سنوات وحولهم إلى سجناء.
إن فكرة أن إسرائيل تدافع عن نفسها ضد هجمات غير مبررة من خارج حدودها هي فكرة سخيفة. رغم انسحاب إسرائيل منه في 2005، لا يزال قطاع غزة تحت الاحتلال واقعيا ووفق القانون الدولي، حيث إن حدوده ومياه شواطئه وسماءه وإمدادات الطاقة جميعها تسيطر عليها إسرائيل. لذلك فإن سكان غزة شعب تحت الاحتلال مثل سكان الضفة الغربية، وهم يملكون الحق في المقاومة بجميع الوسائل بما في ذلك استخدام القوة. أما إسرائيل فلا تمتلك حق الدفاع عن نفسها في مناطق تحتلها بشكل غير قانوني وهي ملزمة بالانسحاب منها. لقد رفضت إسرائيل خلال فترة الهدوء في العام الماضي خطة الولايات المتحدة لإقامة الدولتين وصعدت عمليات الاستيطان غير القانوني. وكما وضح نتنياهو هذا الأسبوع، لا يمكن أن يكون هناك “أي اتفاق نتخلى بموجبه عن السيطرة الأمنية” عن الضفة الغربية.
هذا يتركنا مع حل الدولة الواحدة تقوم على نظام الفصل العنصري (الابارتايد)، حيث لا يملك قسم كبير من الشعب أي رأي في اختيار من يحكمه، وبلا نهاية. لكن من الغباء أن نتخيل أن هذا الظلم المعيب سيستمر دون تصعيد الثمن على أولئك الذين يفرضونه.
المقاومة الفلسطينية تتعرض غالبا للانتقاد ويقال إنها عقيمة بسبب الخلل الهائل في موازين القوى بين الجانبين. لكن حركة حماس ازدادت قوة بسبب أحداث الأسبوع الماضي لأنها بينت أنها تستطيع أن ترد على الضربات الإسرائيلية.
إن انفجارات الصراع أصبحت أشد وأسرع. رغم محاولات إسرائيل تزوير الحقائق، إلا أن الرأي العام العالمي أصبح أكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية. لكن الحقيقة المرة هي أن الاحتلال الإسرائيلي لن ينتهي إلى أن يتمكن الفلسطينيون ومؤيدوهم من رفع الثمن على سلطات الاحتلال بشكل أو بآخر، وأن يغيروا ميزان القوى على الأرض.
غزة: هذا الظلم المعيب لن ينتهي إلا إذا ارتفع ثمن ارتكابه
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
