ها.. قد تذكر الأب الكبير من جديد أن له ابنا شبه شرعي، خمد صيته وتباعدت به الأيام، فلم يتردد – الأب - في أن يمد له الأيادي، لعل أوار جفوته يهدأ، وقرار أوبته يقترب، أو لعل ذلك الابن- بإحياء تلك العلاقة المشبوهة - ينفع، ولا ضير أنه سيستنفع (ككل مرة)!
حماس بن مشعل أحد الأبناء الموتورين لذلك الأب (الفارسي)، ومع ذلك فهو لا يقدر على ممارسة مشاغباته التائهة إلا تحت مباركة والده (المعمعم)، أو تنفيذا لأوامر مقترحة منه.. وهذا الذي حدث مؤخرا، فالزعيم والأب (الفارسي) توجس خيفة كبرى من الذي يحدث في العراق من نزاعات وقلاقل، قد تهدد حياته وأمنه، فيما لو تحولت موازين القوى السياسية، وهي التي لا تستقر أبدا، فاختار الابن (حماس) لدرء ذلك الخطر العربي، من خلال إشغال بني يعرب بعدوهم الأزلي وبطريقة مقاومة ذلك العدو، حتى لا يكون لديهم متسع من الوقت والجهد لتهديد العرش الفارسي العتيد! وهو أكثر الأبناء قدرة على إثارة الفتن بأرخص أساليب الحرب كإطلاق صاروخ (رخيص) أو سرقة جندي بائس! وهذا ما تم بالفعل! ومن حسن حظ هذا الزعيم والأب الفارسي أن أبناءه (الفزاعين) كثر، وهو يطلبهم بحسب حجم الأزمة، من(بشار بن الأسد السوري) و(الإخوة الحوثيين اليمنيين) إلى (حسن بن نصر الله اللبناني) و(نوري المالكي العراقي).
وبالتالي فإن الابن (حماس بن مشعل) ليس إلا حماس بن (داعش) قديم، وكلاهما من العناصر الثورية المتطرفة التي تظل عاجزة عن تحقيق أهدافها بنفسها، فتجعل نفسها في سياق مشاريع الشيوخ والزعماء الدوليين الكبار، عندما تتحد المصالح والغايات.
أما القراءة الكلية للمشهد قراءة تعاقبية (وليست آنية، فتفصح عن العديد من الحقائق وتثير الكثير من الأسئلة.. كالتالي:
1/السؤال الحاسم في الموضوع كله، ماذا عملت المؤسسة الشرعية الفلسطينية منذ بداية الاحتلال 1948 مرورا بنكسة 1967وإلى أحداث غزة الأخيرة، غير المحاولة المستميتة لإثبات حقيقة واحدة (همجية الإسرائيليين وتقاعس الغربيين)؟! لأن الدلائل تؤكد أن بيد الشرعية الفلسطينية الكثير، للسير نحو الأهداف (الصحيحة) حقا..هل حاولت المؤسسة الحاكمة الفلسطينية التغلغل الخفي إلى عمق التجربة الإسرائيلية داخل الأرض المشتركة، التي يعيش فوقها الفلسطيني مع (آخره) اليهودي عبر شروط وآليات معرفية وعلمية، تستميت في امتلاك مصادر القوة والتمكين ذاتها، التي كانت سببا في توفرها لدى العدو/الآخر؟! ثم هل حاولت تلك المؤسسة توحيد خطاباتها السياسية المتعارضة لإنتاج خطاب فكري سياسي يتفق على أهداف رئيسة مشتركة لمواجهة عدو حقيقي واحد؟ ألا نجد - من بداية زمن الصراع - أن الخطاب الفلسطيني يفقد مصداقيته وتأثيره وهو ينبثق مبعثرا من عدة فضاءات في اللحظة ذاتها.. (فتح) في الضفة و(حماس) في غزة، وبقية القيادات في دمشق وبيروت وطهران! وبعد.. فهل استجابت هذه المؤسسة الشرعية يوما إلى النداءات الواعية المخلصة المنبثقة من أرباب الفكر والمعرفة (لديهم)، والذين كانوا يلحون دائما على عجز هذه المؤسسة عن استقطاب الشارع الأمريكي والغربي عامة، بسبب إهمال المهارة في التعاطي مع الذاكرة الحضارية العالمية، فلم تستفد الشرعية الفلسطينية – مثلا - من التغيرات القانونية الدولية الجديدة بتحويل مجازر إسرائيل إلى جرائم إبادة إنسانية، تتجاوز التشريعات، اعتمادا على استقلالية محتملة وفعلية للقضاء الأوروبي (على سبيل المثال)!
2/ المقاومة الفلسطينية لا يمكن لها أن تنجح بأي حال من الأحوال، إلا عندما يتم إلغاء خرافة البطل/الحزب المهيمن من الذهنية العربية (الفلسطينية في هذه الحالة)، هذه الخرافة التي يدعي أصحابها امتلاك الحقيقة وأسرار النصر وفكرة الملخص الذي يفكر ويقرر عن الكل. الاحتفاء الواهم بمركزية الحقيقة على هذا النحو يستبعد العمل المؤسساتي الذي ينتجه الأفراد، ويتسبب في سحق المجتمع تحت سلطة الأيديولوجيا أو الحزب أو القيادة، ولا شك أن هذه الظاهرة الخرافية تصدر بالضرورة عن الذهنية النخبوية النفعية النرجسية لأصحاب الأحلام الكبيرة الواهمة، الذين يمارسون وصاية مقيتة للناس وادعاء فاضحا بالقدرة على مواجهة العدو وتحرير الأمة، مما يفسر لنا استهانة بعض تلك القيادات بالدم الفلسطيني (لهذه الدرجة!)
3/ ومن أهم أسباب إخفاق المشروع الفلسطيني افتقاد الاشتغال الجاد على صياغة استراتيجية مقننة للنشاطات (الحركية)، فالذي يبدو أن تاريخ المقاومة الفلسطينية - عدا الانتفاضة - لا يحكمه هدف استراتيجي منسق، وهذا ما تؤكده تلك الأعمال (المشاغبة)، التي تحتاج إلى الانعتاق من أسر الخطاب السياسي وحده، للتفاعل مع خطابات فكرية وثقافية جادة داخل فلسطين، قادرة على ضبط تلك السياسات وتشكيلها بشكل فعال ومؤثر!
لأن الذي يحدث منذ زمن بعيد هو اقتصار الدور النضالي الفلسطيني على (ردات فعل صاروخية سريعة)، بدلا من أن تكون القضية الفلسطينية هي الفعل نفسه، الذي يبدأ من خلال معرفة الطريق الصحيح للنهضة والنصر الأبدي، والذي لا يقتصر على الانصات لتوصيات المثقفين والمفكرين (كما أشرنا سابقا)، وإنما صياغة المجتمع كله صياغة (طبيعية) تأخذ بأسباب العلم والحضارة والبحث والاختراع.. لماذا يتكرر ارتهان اللحظة الحضارية النضالية إلى (صاروخ) مجتلب، و(حجر) مفتت، و(خطاب) متحمس دائما؟!
رقصة (حماس) و(فارس) على أنقاض (غزة)!
فيصل الجهني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
