خلافا لما يقوله المتشائمون، فإن السيطرة المفاجئة والسريعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مناطق واسعة في شمال العراق لا يجب أن تؤدي بالضرورة إلى إعادة رسم حدود الشرق الأوسط. تلك ستكون كارثة؛ على الولايات المتحدة أن تفعل كل ما تستطيع لتجنبها. وواشنطن تستطيع أن تفعل ذلك إذا كانت الدبلوماسية الأمريكية، وليس التدخل العسكري، هي الأداة الرئيسة.
صحيح أن أمريكا قد يكون عليها أن تلجأ لضربات جوية جراحية لمساعدة العراق على وقف تقدم داعش. ولكن في نهاية المطاف، يمكن إنقاذ العراق من حافة الهاوية إذا وافقت الطوائف المتخاصمة على تقاسم السلطة وفقا لدستور جديد. وذلك لن يحدث إلا إذا عمل الدبلوماسيون الأمريكيون كوسطاء بين زعماء الطوائف.
الانقسام السني – الشيعي توسع بشكل كبير يجعل من الصعب على العراقيين حل مشاكلهم وخلافاتهم بأنفسهم والقوى الإقليمية من الصعب عليها التدخل بفعالية في حل هذه الخلافات. أما الأمريكيون فإن لديهم القدرة على جمع أصحاب المصلحة لإنهاء القتال. عندما نأخذ ذلك الدور، فإن تعاون القوى الإقليمية لن يكون مفيدا فقط، بل أساسي.
وسيكون كل ذلك في خدمة المصالح الأمريكية. داعش اقتطعت منطقة سنية واسعة، من حلب التي تقع بالقرب من الحدود السورية - التركية إلى سامراء في وسط العراق، وذلك يهدد بإعادة رسم خرائط البلدين من خلال إيجاد منطقة سنية فقيرة وبدون منافذ مائية ستكون طامعة في ثراء جيرانها وتصبح أرضا خصبة للإرهاب. ويمكن لتلك المنطقة أن تتوسع أكثر، ومن ثم تفرض نفوذها على العالم السني، من أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا.
في سوريا والعراق، بدأ التمرد باحتجاجات ضد الممارسات القاسية من حكومات طائفية. من غير المرجح أن يتمكن تنظيم داعش من الاستيلاء على دمشق أو بغداد، ولهجة التنظيم الطائفية المتطرفة وسجله في ارتكاب أعمال عنف شنيعة تثير ردة فعل قوية بين العلويين والمسيحيين والشيعة وحتى بين السنة. ومع ذلك، لا أحد يعرف إلى أي حد يمكن أن يصل داعش. لذلك من المهم أن تبقى سوريا والعراق متماسكتين وأن يحافظ البلدان على مناطقهما ذات الأغلبية السنية.
على المدى البعيد، مفتاح الاستقرار هو تقليص المركزية في الحكم من بغداد ودمشق بشكل يوفر مساحة أكبر من العدالة والمساواة للسنة. وذلك بدوره يمكن تحقيقه إذا وافق العراقيون والسوريون على مبدأ المشاركة في السلطة.
مهما كانت الأطراف المتصارعة متنافرة حاليا، فإنها ربما تتجاوب مع الجهود الدبلوماسية الأمريكية التي تشارك فيها كل من تركيا والسعودية وإيران. هذه الجهود يجب أن تكون لها ثلاثة أهداف يمكن تحقيقها: منع المتطرفين من تحقيق المزيد من السيطرة على الأرض؛ حماية وحدة أراضي دول المنطقة؛ وتشجيع الحكم من خلال التفاوض، لإتاحة الفرصة لكل طائفة بأن تعيش في سلام.
مهمة الوسطاء الأمريكيين ستكون صعبة للغاية. مع أن كثيراً من العراقيين يتمسكون بقوة بفكرة وحدة البلد، إلا أن الخلافات العميقة بين السياسيين العراقيين وانعدام الثقة بين أبناء الطوائف المختلفة بعد عقد من أعمال العنف تجعل الأمر بالغ الصعوبة. بالإضافة إلى ذلك فإن المنطقة الكردية في الشمال تركت العراق من الناحية العملية. والولايات المتحدة ليس لديها نفس النفوذ الذي كانت تتمتع به في 2006، عندما كانت القوات الأمريكية موجودة لكبح العنف الطائفي وكان لديها قدرة سياسية واقتصادية أكبر للتأثير على السياسة العراقية.
شيعة العراق سيقاومون أي حديث عن المشاركة في السلطة مع السنة. معظم الشيعة يريدون القضاء على داعش ومن ثم التعامل مع السنة كشركاء أقل منهم في دولة يهيمن فيها الشيعة. وفي المقابل، يشعر كثير من السنة أن الرياح تجري في صالحهم وأن بإمكانهم الاستيلاء على السلطة مرة أخرى في العراق؛ ولذلك فإنهم لا يمكن أن يقبلوا بأقل من مشاركة متساوية. التغلب على هذه المواقف ربما يحتاج إلى حكومة جديدة في بغداد. ولكن حتى بوجود مثل هذه الحكومة، فإن الحفاظ على وحدة العراق تحتاج إلى دستور جديد يبين كيفية المشاركة في السلطة. الصيغة العملية يمكن أن تسمح لكل من الشيعة والسنة والأكراد بأن يحكموا مناطقهم، وأن يتشاركوا السلطة في مركز أقل قوة. صيغة مماثلة أنهت الحرب الإثنية في البوسنة في تسعينات القرن العشرين.
الولايات المتحدة تستطيع أن تضع خطة دبلوماسية متماسكة تستند إلى المصلحة المشتركة في الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي العراقية. وهي تستطيع أن تحصل على مساعدة الدول الإقليمية في هذا المجال. كل ما عليها هو أن تبدأ هذه الجهود الآن.