شهر في العام، كتب فيه الصيام، تربية للأنام، يصام رغبة في الجنان، وابتعادًا عن النيران، شهر رمضان، يدع العبد أكله وشربه لله، تأمل في هذا الحديث الذي هو عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» {رواه الإمام البخاري في صحيحه}. وهذا يدل على عظم الصوم! قيل إن الصوم صوم عموم وخصوص، وخصوص الخصوص، فصوم العموم هو كف البطن والفرج، وسائر الجوارح عن صد الشهوات، وصوم الخصوص هو كف السمع والبصر واللسان، واليد والرجل، وسائر الجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص هو صوم القلب عن الهمم الدنيئة وكفه عما سوى الله بالكلية.
يقول الرسول صلوات ربي وسلامه عليه: «للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه».
دعوني أحدثكم قليلًا عن حال الصيام هذه الأيام، تجد الإنسان نائما إلى قبيل المغرب بخمس دقائق، ويفوت الفجر والظهر والعصر! ما الفائدة من صيامك إن ضيعت الصلوات وهي عماد الدين؟ ثم يقوم على سفرة كبيرة، فيها جميع الأصناف ابتداءً من العصائر المليئة بالأصباغ والسكريات وانتهاءً إلى أطباق رئيسية كبيرة مليئة بالزيوت، مسكين ذلك الجسم قد أصابته فاجعة بعد صيام أكثر من ثلاث عشرة ساعة، يفاجأ بكميات من الأكل هائلة!! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «حسب ابن آدم بضع لقيمات يقمن صلبه»، هذا غير عشائه وسحوره وحدث ولا حرج!
وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن رطبات فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء.
يقول ابن القيم: «أمّـا الصوم فناهيك بـه من عبـادة تكفّ النفس عن شهواتها و تخرجهـا عن شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقرّبين فإنّ النفس إذا خلّيت و دواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كفّت شهواتها لله ضيّقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عاداتها و شهواتها محبّة له و إيثارا لمرضاته و تقربا إليه، فيدع الصائم أحبّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربّه، فهو عبادة ولا تـتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله.
فالصائم يدع طعامه وشرابه وشهواته من أجل ربّه، وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى، وبهذا فسّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الإضافة في الحديث فقال يقول الله تعالى : (كلّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، قال الله: إلاّ الصّوم فإنّه لي و أنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي) حتى إنّ الصّائم ليتصوّر بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلاّ في تحصيل رضى الله، وأيّ حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة وتقمع النفس وتحيي القلب وتفرحه وتزهد في الدنيا وشهواتها وترغّب فيما عند الله وتذكر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم، وأنّهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتعطف قلوبهم عليهم ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا»؟
آداب على مائدة النبوة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
