عندما يتيهُ أفراد المجتمع في مفهوم لأي مصطلح يتفرقون حتماً على احتمالات التعامل والتعاطي، وهذا ما حصل مع لفظ (السياسة) في الآونة الأخيرة، حتى آمنَ الناس بقول لم يفهموه حين ردّد أكثرهم (من السياسة تركُ السياسة)، فبين مدّ وجزر، وأخذ ورد، وحوادث ونوازل وحروب، وتغيرات وثورات، وفصول سنة للعرب بدأت بربيع مظاهرات وانتهت بصيف تناحرات وجد فرد مجتمعنا نفسه لا يستطيع استدعاء مفهوم السياسة الذي قرأه وطالما طالعه في الكتب والمراجع، وذلك لأنه يرى من تفسّخ المعاني لأغلب المباني ما يجعل السياسة أولى بهذا (العري) من غيرها، ومع ذلك الوضوح وظهور مرامي المعاني الجديدة الحادثة للعيان لا يكترث في الغالب من تحدّث أو كتب أو حاضر في السياسة بما يراه بعينه بقدر اهتمامه بما يراه وفق توجّهه (البريستيجي)، وليس منا أحدٌ لم يعقد حاجبيه استغراباً أو لم يزم شفتيه امتعاضاً وهو يسمع سياسيّ الأمس يهذي بفتوى في حكم شبكات التواصل الاجتماعي، أو يقرأ لأديب العقد الماضي وهو يفكك أجزاء خطاب (الأمين العام للأمم المتحدة) في تحليل سياسيّ أنّ تقديم جُمَل النفي كان أولى من عبارات الإثبات، فمن أين يستنير شباب هذا العصر لتسمع من أبناء مجتمعنا رأياً سياسيّاً عن مزاعم (داعش) أو تقرأ كتابة موضوعية لابنة الثلاثين عن خرافة (مجلس الأمن)؟ وفي ذات الوقت الذي يدرس فيه طلاب جامعاتنا العلوم السياسية كتخصص علمي بحت تُغيظكَ مخرجات تلك الأقسام في نماذج يسألها الإعلاميون عن الرأي في اجتماع لوزراء الخارجية العرب فينبري واحدهم للثناء على كل أحد ويتحفنا بآماله وطموحاته في القريب العاجل، فلا ريب والحالة تجاه هذا (البعبع) الذي يسمى السياسة بالنسبة لشريحة كبيرة في مجتمعنا تستطيع أن تلمس مغالطة كبيرة فيما هو محظور بنص قانون ونظام واضح ومبلّغ ومنشور، وبين هواجس جهلٍ وتقاعس عن ثقافة واطلاع وعلم، وفي اعتقادي الشخصي بأننا نعيش في وطنٍ بُيّنَ فيه للمواطن حقوقه وواجباته بما لا يدع مجالاً للاجتهاد أو ادعاء عدم العلم أو اللمز خفاءً أو علناً بوصاية على رأي أو وجهة نظر طالما لم تخالف قانوناً ونظاماً هي من شريعة ربي مستمدّة، لتخلُص للقول بأنّ التدخل في شؤون الدول الأخرى ليس هو تعليق صاحب فكر واحترام على خبر هنا أو نبأ هناك، وبأنّ تبيين رأي في نوازل المسلمين وأحداث الإنسانية في تأصيل التزام بحقوق الآخرين والوطنية وقبلهما الدين ليس هو تخوين حاكم أو شتم مسؤول أو خطابات هوجاء، ووطننا ودولتنا الرشيدة يستثيران فينا جميعاً تفاعل الطرح بالعلم، وحراك الأقلام في لزوم جادّة ثوابت، وتعدّد آراء ووجهات نظر في احترام آخر وتقدير مجتهدين، أمّا إثارة الفتن وتضليل المتابعين وسعيٌ للخلاف فتلك سياسة من لا سياسة له، فيما يبقى التعويل على كلّ المجتمع بجميع أصنافه ومراحله العمرية أن يعيد مجرى الفهم والإعمال للصواب حينَ يقتنع المنصتون والقراء والإعلاميون بأنّ افتراض لزوميّة رأيٍ سياسيّ باستجواب الطبيب والفنّان والحقوقيّ والتاجر والإعلاميّ والأديب والداعية هي أكبر جنايةٍ على (السياسة) كعلم أو خبرة، ليجد فيها بعض المخطئين المرتع المناسب (للحشرية) والتطفّل بلا علم ليُضلّ المعجبين..
السياسة.. بُعبع ومَرتع
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
