يعتبر موضوع تقنين الأحكام الشرعية في المملكة العربية السعودية من أكثر المواضيع إثارة للجدل، فثمة من يدعم بقوة تقنين الأحكام، ولهم في ذلك أسباب جلية واضحة وجديرة بالنظر، وثمة من يرفض هذا التوجه بزعمهم أن هذا الأمر طريق إلى تغيير الشريعة والحكم بغير ما أنزل الله، بل إنهم وصفوا من خالفهم بأنهم أهل بدع وضلال.
ويمكن الرد على من يرفض مشروع التقنين بأن الله سبحانه وتعالى أعلم بأحوال خلقه، وبما يمكن أن يحدث في حياتهم من تطور وتغير وتبدل، تبعا لتغير الزمان والمكان، ولذلك اقتضت حكمته تعالى أن نص في كتابه الكريم على أحكام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وهي أحكام الحدود والقصاص، أما ما عداها فجاءت في قواعد كلية وجعل الأمر فيها لولي الأمر ليحكم فيها بما يتفق مع التغير في حال الرعية من زمن إلى آخر، فالتعاملات من شأنها التبدل والتطور، وبالتالي لا يمكن أن يطبق حكم في واقعة حدثت في القرن الثاني للهجرة، على واقعة مماثلة حدثت في أيامنا هذه، وذلك لاختلاف الظروف التي نشأت في ظلها تلك الواقعة.
ومن جانب آخر فإن الدعوة إلى تقنين الأحكام الشرعية لا تعني بحال من الأحوال اتهاما للشريعة بالقصور، بل على العكس تماما فالتقنين دليل على كمال الشريعة الإسلامية وجمالها، ودليل على مرونتها وقدرتها على أن تتأقلم مع الظروف المتغيرة بما يتفق مع حال الناس ومعاشهم، وهو أمر يتفق مع مقاصد الشريعة ورسالتها السمحة.
ومن جانب ثالث لا شك في أن من يعارض هذا الأمر يرتبط مع جهة عمله سواء كانت في قطاع عام أو خاص بعلاقة تخضع لنظام مقنن (مكتوب) ويسري هذا حتى على من يعمل بأعمال حرة، فهو يخضع في علاقاته التجارية للقانون التجاري، والجميع عند نشوء خلاف نتيجة لتلك العلاقات يطالبون بتطبيق ما ورد في الأنظمة ذات العلاقة ويحتكمون إليها، فكيف يؤيدون التقنين هنا ويرفضونه في الجانب الآخر..!!
والحقيقة أن الدعوة إلى التقنين ليست من باب الترف التشريعي، أو للقول بأن لدينا قانونا مكتوبا نحتكم إليه، أو لسد نقص الشريعة كما هي حجة المعارضين لهذا التوجه كما سبق وذكرت، بل هو للحاجة التي تقتضيها طبيعة المرحلة التي نعيشها، والتي نتج عنها تعدد وتشابك العلاقات الناشئة بين الناس سواء تلك علاقاتهم في داخل الوطن أو بين من هم في الداخل ومن هم خارجه، والتي ستشهد المزيد من التعقيد في مستقبل الأيام، كنتيجة طبيعية لتطور الحياة وتعقيد وسائلها.
وفي رأيي أن تزايد الأصوات التي تدعو للتقنين بشارة خير وعلامة حسنة على أننا بدأنا نخطو في الطريق الصحيح، وأن هذه الدعوة تتفق مع جمال وكمال وروعة شريعتنا الإسلامية التي جاءت لإرساء دعائم العدل، وتعزيز قيم المساواة، فالتقنين يحقق أهدافا عدة، منها على سبيل المثال معرفة الناس بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات على وجه الدقة واليقين دون الحاجة إلى الاجتهاد والبحث في مصادر الأحكام الشرعية، وكذلك اختصار وقت القاضي مما سينعكس على سرعة الفصل فيما يعرض عليه من قضايا وبالتالي قصر مدد المواعيد التي تعطى للخصوم فالنص المكتوب لا يحتاج إلى البحث والترجيح بين أقوال الفقهاء بل إلى التطبيق فقط، ومن جهة أخرى يعزز الثقة في المنظومة العدلية وبالأنظمة المعمول بها في المملكة وفاعليتها، مما سينعكس أثره على تعزيز فرص الاستثمار ونماء البلاد وتحقيق الاستقرار في شتى مناحي الحياة.
وأخيرا لا يمكن القول بأن المناداة بالتقنين ليكون إكمالا لنقص الشريعة، بل تحقيقا لمقاصدها وتعزيزا لقيمها ورسالتها السمحة، ولا يمكن أن يكون نتاجا للعلمنة أو التغريب، ولا يمكن أن يكون أساسا لقفل باب الاجتهاد.