منذ زمان ليس بالبعيد، خرج رجل فقير، لا هو بالأمير ولا الوزير، على ظهر مركوب حقير، ينشد أرضا بعيدة، حيث الماء والكلأ والرزق الوفير، ولكنه حين بلغ منخفضا من الأرض وقع! ذلكم هو جدي.
تقول الرواية بأنه حين سقط من على ظهر حماره أدركه رجال كرام أكفاء من قبيلة الأشراف «الحرازات»، يبدو أنهم أيضا كانوا في حالة ترحال فأكرموه وآووه.
لم يذكر لنا أحدهم أنهم سألوه ما الذي أخرجه ولماذا أتى ولم يُرو عنهم أنهم سألوه من أين هو ومن أين أتى، كل الذي يهم هو أنه رجل محتاج للمساعدة المؤقتة وهم يقدرون على ذلك، هذه كل الحكاية لا تعقيد، لا توجس، لا خيفة.
حين رأى ذلك منهم قرر أن يكمل ما بقي من حياته في تلك البقعة المباركة بقلوب أهلها، القليلة مصادر رزقها، تزوج ورزقه الله البنات والبنين، سريعا أصبحوا لحمة واحدة واندمجوا مع بعضهم كالجسد الواحد كما أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في وصفه للمؤمنين.
في الحقيقة يذكرون عنهم تفاصيل لا نستطيع تصديقها، كما أن الواحد منهم لو بعث إلى الحياة من جديد فلن يصدق تفاصيل نعايشها في حياتنا اليومية، مثل أن أحدنا يتحدث إلى رجل تفصله عنه جبال، بحار، محيطات وقارات، والأهم من ذلك أنه يحدثه همسا.
يذكرون عنهم على سبيل التمثيل فقط أن أحدهم قد يسافر إلى الحواضر البعيدة جدا ويبقى هناك أشهرا يكسب خلالها فتات المال، وينتظر القوافل المهاجرة ليبعث بكل ذلك الفتات ويقسمه نصفين، نصف لزوجه وأبنائه ونصف لبيت أو بيتين من جيرانه، ليس هذا وحسب بل إنه يقسم أن جسده لن يمس الفراش ما لم يصل المال إلى جيرانه الفقراء، يستحيل أن يعمل الرجل بمفرده في الفلاحة بل كل (القبيلة) يعملون معه، إن سافر لا يوصي أحدا في أبنائه لأن الجميع أهله، إن بنى منزله بنى الجميع معه، وإن مرض مرضوا معه، الواحد في الكل والكل في الواحد... لا فرق. منذ عقود ونحن نعيش في رغد العيش ورخاء الرزق في ظل دولتنا العظيمة ولكن حدث خطأ غير مقصود، لقد انفصل الناس عن مزارعهم ومراعيهم وأسلوب حياتهم، وانفصلوا عن بعضهم فأصبحت الأرض غير الأرض والسماء غير السماء.
أصبحت قريتنا عبارة عن مدينة مصغرة، في المدينة تتكسر العلاقات العائلية والإحساس الفردي بالراحة والأمان والعادات المتأصلة، في المدينة يعتبر كل ذلك جزءا من الزمان الغابر، عندما تتحول القرية إلى مدينة فإن هناك فرصة أكبر لأن يصاب أبناؤها بالإحباط والهوس والجنون.
في القرن الماضي تحولت معظم القرى إلى مدن، القرى التي لم تستطع التحول هجرها أبناؤها إلى المدن الضخمة، داخل المدينة قد تنجح نجاحا باهرا وتسعد سعادة عظيمة، ولكن أحيانا.
في العام 2010 ولأول مرة في التاريخ، أصبح سكان المدن أكثر من سكان القرى والأرياف والهجر، الانتقال السريع جر معه الأمراض النفسية والعقلية، أكبر نزوح من القرية إلى المدينة تم في الفترة من العام 1988 إلى العام 2008 م، في نفس الفترة ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يراجعون بانتظام في المصحات النفسية والعقلية بأكثر من 36،7% هذا الرقم لم يأت مصادفة. أعلى نسبة تحول كانت في الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الفترة، ارتفعت نسبة المستخدمين للأدوية النفسية بأكثر من 400%، فنسأل الله السلامة والعافية.
وهناك أدوات مساعدة: التلفاز، الانترنت، توتير والفيس بوك، هذه الأدوات تصنع شبه مجتمعات وشبه صداقات وشبه علاقات وشبه سعادة وهناء وراحة. كل شيء بداخلها وهْم، حتى أسما العلاقات الإنسانية.
قراكم تناديكم أن عودوا إلى عاداتكم، أحبابكم، علاقاتكم، قراكم تناديكم أن عودوا إلى حياتكم.