تعمدت أن أكتب عن حادثة الإرهاب التي وقعت بمنفذ الوديعة بمنطقة نجران في هذا الوقت كي أعيد التذكير بذلك العدوان الذي قبحه كل ذي عقل رشيد وقلب حي يخشى على سمعة الإسلام الصحيح والمعتدل، ويغار على حرمات المسلمين ويذود عن وطنه، حيث تفاعل الجميع، مجتمعا وإعلاما، في الداخل والخارج مع هذه الواقعة، فمثل هذه الأمور لا تنسى أبدا ولا يجب أن يقلل في أدق تفاصيلها.
وتعودنا من قادتنا وحكومتنا وشعبنا الكريم ألا ينسوا شهداء الوطن وأسرهم، رغم أن هؤلاء الشهداء قد مضوا بإذن الله إلى جنات النعيم بعد أن خاضوا ملاحم البطولة في الذود عن الوطن.
في أوائل شهر رمضان وفي عشر الرحمات، وفي يوم الجمعة الفضيل وبالتحديد 6 /9 /1435هـ، والناس صيام ينتظرون أداء صلاة الجمعة، حدثت تلك الواقعة الشنيعة التي لا يقرها دين أو عقل، وفي المساء سمع ذلك البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية كعادتها على لسان الناطق الرسمي لها يوضح فيه تفاصيل محاولة تسلل مجموعة من خوارج هذا العصر، وكانوا مدججين بالأسلحة والذخيرة، فتذكرت أن بلادنا أول دولة وأقوى دولة واجهت وتواجه الإرهاب من بعض أبناء الوطن وآخرين من خارجه، والمؤلم هو ما كان من أبنائنا الذين ولدوا وتربوا في هذه الأرض الطاهرة وأكلوا وشربوا من خيراتها، ونعموا بأمنها واستقرارها، وتعلموا في مدارسها ومعاهدها ومراكزها وكلياتها وجامعاتها.
وقد حصل من هؤلاء الذين عقوا هذا الوطن البار منذ سنوات مضت أنواع من الفساد والغدر، ولكن الله علم قبح طويتهم فلم يرفع لهم راية ولم يحقق لهم غاية، وقد كانوا في أول الأمر يتحججون بوجود القوات الأجنبية والتي كان الكل يعرف بوجودها، قوات مشتركة من كل قارات العالم، أمريكية وأوروبية وآسيوية وأفريقية وعربية وإسلامية وخليجية وسعودية، والتي اتفقت جميعها على رفع ظلم وطيش صدام حسين وتحرير دولة الكويت من قواته التي احتلتها في جنح الظلام، وكان حجة خوارج هذا العصر عندما يقومون ببعض الأعمال التخريبية في بلادهم في ذلك الوقت أنه توجد قوات أمريكية قد احتلت البلاد ونريد إخراجها أو خروجها من بلادنا، لا يقولون قوات مشتركة أو حتى يذكروا الهدف الذي تواجدت من أجله وهو تحرير دولة الكويت، وكان شعارهم فقط «اخرجوا القوات الأمريكية الكافرة المحتلة من بلاد الحرمين» والدليل أنهم كاذبون ولهم مآرب أخرى غير ما يقولون وما يرفعون وما يخفون من شعارات ليستعطفوا بها قاصري النظر ومن يستعجلون الحكم على الأمور ومن ليس مطلعا على أرض الواقع، فقد خرجت القوات المشتركة جميعها بما فيها الأمريكية بعد أن تحررت دولة الكويت وعادت الشرعية ودحر صدام وجيشه المحتل، واستمروا في إرهابهم وتخريبهم ولم يسلم منه حتى المدينتان المقدستان، أطهر بقاع الأرض مكة المكرمة والمدينة المنورة، ناهيك عن بقية مناطق المملكة.
والسؤال هل مكة المكرمة والمدينة المنورة بهما قوات أمريكية أو غيرها؟ غير قوات الأمن السعودي التي تسهر على راحة ضيوف الرحمن من حجاج وعمار وزوار، ومن جاء لزيارة مسجد رسول الله والصلاة فيه والسلام على سيد المرسلين.
حقيقة يحار المرء من ضلال وتدني مستوى تفكير هؤلاء الخوارج مدعي الإسلام وهم البعيدون كل البعد عنه تماما، بل لا ينتمون إليه بأي صلة لا من قريب ولا من بعيد، بسبب أعمالهم، فهم من شوه صورة الإسلام الحنيف، وأساء إلى كل مسلم يدين بدين الحق الذي نزل على أطهر البشر وسيد ولد آدم رسولنا الكريم محمد، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهذه الإساءة لم تقتصر على أبناء هذه البلاد، بل شملت كل من انتمى إلى الإسلام في كل أنحاء الكرة الأرضية، والواقع يشهد بذلك، فبعد كل فساد يفسده هؤلاء الضلال هنا أو هناك في أي دولة من دول العالم، ننظر ونسمع تلك التصريحات والكتابات وما يترتب على ذلك من إلصاق التشدد والإرهاب وجميع التهم بكل مسلم.
تذكرت حديثا شريفا لرسولنا، عليه الصلاة والسلام، أنه قال عن هؤلاء الخوارج: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن أجرا لمن قتلهم يوم القيامة، فإن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).
وأود القول هنا بأنه، بحمد الله سبحانه، في مطلع شمس كل يوم يكشف المولى عز وجل كذب وادعاء وخيانة هؤلاء الذين خانوا دينهم وأمتهم وولي أمرهم ووطنهم، وباعوا أرواحهم رخيصة لأعداء وحاسدي وطنهم، حتى أصبحوا أدوات رخيصة لهم، ينفذون ما يريدون دون أن يرفعوا عينا أو يفتحوا فما أو يكون لهم رأي في شيء، حيث أصبحوا عبيدا ينفذون فقط.
رحم الله شهداء الواجب أبناء الوطن جنودنا البواسل على كل شبر من هذه الأرض الطاهرة الآمنة في كل القطاعات العسكرية، ونفخر جميعا، حكومة وشعبا، بجنود نذروا أنفسهم للذود عن حياض هذا الوطن وحكومته وشعبه والحجاج والمعتمرين والزوار والوافدين للعمل والاستثمار، وأقول لكل غادر من هؤلاء الخوارج، إن هؤلاء الشهداء الذين يذودون عن الوطن من كل القطاعات العسكرية، قد قدموا إلى خير أعمالهم، الشهادة في سبيل الله ذودا عن الدين والمقدسات والوطن ومن فيه وما عليه من منجزات.
أقول لهؤلاء الخوارج ومن خلفهم ومن يدعمهم ومن يؤيدهم وحتى من هو صامت تجاه أعمالهم وفسادهم لا ينكر عليهم: لقد فشلتم في العالم الواقعي على الأرض، وسوف تفشلون في محاولاتكم التي تحاولونها في العالم الافتراضي، وإن قناعة الناس بضلالكم تزداد، وإن بلاد الحرمين الشريفين لا مزايدة عليها أبدا في تطبيقها لشرع الله ووقوفها عونا لكل مسلم وعربي وإنسان في هذا العالم، ولقد أركسكم الله بسبب فساد نياتكم، فهذه البلاد كانت وما زالت وستظل حصنا حصينا ضد مكركم وفسادكم وخططكم، بحماية الله القوي العزيز لها ثم بقيادتها الرشيدة، فعودوا إلى رشدكم وسلموا أنفسكم ولا يستخفنكم الشيطان وأتباعه، (نعوذ بالله من سوء الخاتمة).
وفي الختام أتوجه بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى مقام والد الجميع خادم الحرمين الشريفين في درء كل ما ينقص صفو أمن وراحة وسلامة المواطن والوافد والحاج والمعتمر والزائر لهذه البلاد، وبث روح الحوار في الداخل من خلال مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وإنشاء ودعم المركز العالمي لمكافحة الإرهاب، ومركز حوار أتباع الأديان والثقافات وبث روح التسامح بينهم، وتأسيس أكثر من فرع لمركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية، وقبل وبعد هذا وذاك حفظ أمن واستقرار البلاد، وعدم التهاون أو التسامح مع من يريد الضرر أو الإفساد فيها ورفع السلاح في وجه الدولة، ومن كلف بحماية الحدود والثغور والأمن برا وبحرا وجوا.
نعوذ بالله من سوء الخاتمة
عبدالله الخطابي5 دقائق للقراءة

حجم الخط
