حكى إبراهيم غلام مدير الزراعة في المدينة المنورة سابقا، وأحد أوائل خريجي مدارس العلوم الشرعية - يرحمه الله - ذكرياته إلى عام 1324هـ، في كتاب أصدره الدكتور خالد باطرفي بعنوان «إبراهيم غلام يتذكر».
ولد غلام في زقاق الحبس داخل سور المدينة مباشرة بعد دخول الأمير محمد بن عبدالعزيز إلى المدينة المنورة، إثر استسلام الحامية التركية، مؤكدا أن عمره هو ثمانون عاما من عمر الحكم السعودي للحجاز.
كان ـ كما عرف من ذويه ـ من أواخر من دخل به أهله الحجرة النبوية رضيعا كعادة أهل المدينة حينما يدخلون بالمولود للروضة الشريفة بعد ولادته للتبرك.
وإضافة إلى حديثه عن الحراك الثقافي المبكر في المدينة المنورة، والنسيج الاجتماعي الذي ميز المدينة يتحدث غلام عن تسليم المدينة المنورة للأمير محمد بن عبدالعزيز من قبل قائم مقام المدينة حينها الشريف شحاد عام 1344هـ.
حنجرة المؤذن
ويروي غلام ملامح من الحياة في طيبة في تلك الفترة المبكرة، كيف كان يرفع الأذان بحنجرة السيد عبدالرزاق نجيب، من كبار المؤذنين جهرا، في وقت لم تعرف فيه مكبرات الصوت، ويشير إلى أسرة آل حبيب ومدرسة العلوم الشرعية ومدرسة الحميدية ومكتبة الشيخ جعفر إبراهيم فقيه وغيرها، مؤكدا على النسيج الذي ميز المجتمع المدني، حيث يعرف الناس بعضهم بعضا ويعيشون بمبدأ «لا فرق بين عربي ولا عجمي، وبين أبيض ولا أسمر أو أصفر ولا أسود.. فكلنا مسلمون، وكلنا في جوار مسجد نبيه صلوات الله وسلامه عليه».
تقاليد العيد
أول محطة يزورها أهل المدينة بعد الانتهاء من صلاة العيد في المسجد النبوي، مقر أمانة المدينة المنورة، حيث يذهب الناس جماعات ووحدانا إلى ديوان كبير هناك، وتبدأ المراسم بأن يقرأ قاضي المدينة دعاء خاصا بهذه المناسبة، ثم ينطلقون إلى البلدية والمحكمة الشرعية والإمارة ليسلموا على المسؤولين فيها.
وعادة يكون اليوم الأول للزيارات الاجتماعية، أما الثاني فيزورون المنطقة القريبة منهم والبيوت المحيطة بهم، وفي الثالث يخرجون لزيارة منطقة المناخة التي تنوخ فيها الإبل التي تأتي محملة بالبضائع من المناطق المختلفة.
علماء الجزائر في المدينة
من علماء المسجد، كما روى غلام، الشيخ عبدالحميد باديس والشيخ بشير الإبراهيم، وقد سافر العالمان الجليلان إلى الجزائر مع طليعة الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي البغيض، وانضم إليهما الشيخ الطيب القصبي عم الشاعر الأديب حسين صيرفي.
احتضنت المدينة المنورة 18مدرسة تحضيرية، وما يقارب20 من الكُتّاب في مختلف أنحائها، وكان الذين تخرجوا من المدرسة الإعدادية في طليعة الرجال الذين احتاجت لهم الدولة في أول العهد السعودي، وقبل ذلك عام 1338هـ فتحت أربع مدارس تحضيرية وأدارها كل من السيد أحمد صقر والسيد حسين طه والشيخ عبدالحي أبو خضير، والشيخ عبدالقادر شلبي مديرا للمعارف.
بيوت الأدباء
ولم يخل بيت من بيوت المدينة من أديب أو متأدب أو ذواق للشعر.
ومن الرعيل الأول الشاعران عبيد عبدالله مدني، وعمر إبراهيم بري، والأديب عبدالقدوس الأنصاري مؤسس مجلة المنهل، وأول رئيس تحرير لجريدة المدينة أمين عبدالله مدني، ومالكا الجريدة علي وعثمان حافظ.
يعتبر غلام قدوم الملك عبدالعزيز للمدينة عام 1346 من أجمل الذكريات، حيث خرج حينها أهلها لاستقباله في شارع العنبرية، وأقيم حفل استقبال أشرف عليه الأمير عبدالله سعد السديري والسيد مصطفى عطار والسيد يوسف ديولي وغيرهم.
كلمات الملك عبدالعزيز خلال لقائه أهل المدينة:
«لم آت للمدينة لأشاهد الزينات ولا لحضور الحفلات، ولكن جئت لأجتمع بمن في المدينة المنورة، فكبيرهم أبي، ومن هم في سني إخواني، وهؤلاء الصغار أولادي.
جئت لأسمع الشكوى من أي مواطن، سواء عني أو من أمير البلد أو المأمورين».

