أغمض الحاج إسماعيل أبوحميدان عينيه واستقل حلماً حمله إلى قرية صميل الخليل، قريته التي توسدت تلة خضراء بالقرب من غزة واحتضنت رفات أبيه بعد استشهاده في ثورة القسام، رأى نفسه طفلاً ينضح براءة يحمل ما استطاع ساعده الصغير حمله وهو يودع بيته الصغير بعد نكبة 1948، منذ تلك النظرة لم يعرف ما معنى كلمة بيت بل ظل يتنقل بين مخيمات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان.
منذ بدء الاضطرابات في أوكرانيا بداية هذا العام هاجر أربعة آلاف ومئتا يهودي أوكراني إلى فلسطين، لينضموا إلى أكثر من ستة ملايين يهودي سبقوهم منذ وعد بلفور المشؤوم الذي أعلن فلسطين وطناً لغرباء لم يعرفوها، وأبدى الغرب (المتحضر) تأييده لهذه الخطوة تعويضاً لما عاناه اليهود من عذاب في محرقة الهولوكوست، ويحتار العقل في فهم هذه الكوميديا السوداء حيث يجب على الفلسطينيين أن يكفروا عن ما اقترفه الألمان من مجازر.
فلسطين أرض الحضارات وأرض الأنبياء، وطن للفلسطينيين الذين رووا أشجار الزيتون بعرقهم عبر التاريخ، مسلمين ومسيحيين وخمسة وعشرين ألف يهودي فلسطيني قبل الهجرات المدفوعة لتغيير خارطة الحقيقة.
الواقع مر وأمر منه أننا كدنا ننسى هذه الحقائق، ننسى ست وخمسين مجزرة صهيونية قبل 1948، وننسى مجازر قانا ودير ياسين وصبرا وشاتيلا، ننسى طفلاً سال دمه على صفحات دفتره ليصبغه حزناً، وامرأة حاملا ودعت هي وجنينها الذي لم تكحل عينيها برؤياه، ننسى كل ذلك ويصبح الجلاد الصهيوني الذي قدم من شرق أوروبا هو الضحية الذي يملك حق الدفاع عن نفسه، بينما نسلب هذا الحق من صاحب الأرض.
«أنَّى تَلَفَّتُ أستجدى العزاء بَدَتْ
ربا فلسطين في صحوي وفي حُلمي»
شعر يحيى برزق، من ديوان نزيف الكناري
استيقظ الحاج إسماعيل من حلمه الجميل ليعود إلى مخيم البقعة في الأردن يحمل سبعين عاماً من الشتات ومفتاحا يعلوه الصدأ لبيته الصغير لكيلا يضطر أن يطرق الباب عندما يعود.
لن أطرق الباب
عبدالقوي المنصري2 دقائق للقراءة

حجم الخط
