لم أتسرع في الحكم على المنتج الدرامي والاسكتشات الفنية التي تم طرحها في شهر رمضان المبارك، حتى لا يقال تحكمون على العمل قبل انتهاء الشهر الكريم، وحتى يكون الكاتب أكثر موضوعية وتأنيا في إبداء الرأي وتحليل الموضوع.
وأنا هنا أتحدث تحديدا عن أعمال الفنانين السعوديين، والتي عادة ما تعرض في قنوات سعودية رسمية أو خاصة، وهي محسوبة بشكل أو بآخر علينا وعلى ذائقتنا الوطنية!
وبدون تسمية لهذه الأعمال، فكل ما طرح لا يرتقي إلى الحد الأدنى لمعايير العمل الفني الذي كان يتأمله المشاهد بعد ردح من الزمن قضاه مع مرايا العظمة وطاش ويوميات أم حديجان!
ويبدو لي أن طاش في زمنه كان لافتا، لسببين، أولا: نقده الصريح لعمل بعض الجهات الحكومية التي استطاعوا التماس معها دون تجاوز الخطوط الحمراء، وتشريحهم لأنماط سلوكية كانت تمارس اجتماعيا بشكل بسيط وعفوي مع لمسات كوميدية تبرز أكثر لدى الفنان ناصر القصبي وتخبو كثيرا لدى الفنان عبدالله السدحان.
ومع وجود أسماء كانت مشاركة في العمل تفوقت هاتان الشخصيتان أداء وتمثيلا، إلا أن سيطرة النجمين على المطبخ الفني لهذا العمل جعلهما يستأثران بأدوار البطولة دائما، مما حدا بالفنانين المهمشين إلى الانفصال عن طاش والانخراط في أعمال فنية مستقلة.
والسبب الآخر في نظري هو بساطة وعي المشاهد آنذاك، والذي تبهره اللقطة العفوية والجملة الكوميدية في ظل قلة أو ندرة الأعمال الرمضانية الكوميدية التي تعرض في القنوات العربية الأخرى.
أما الآن وبعد مقاطع الكيك، وظهور نجوم اليوتيوب فقد اختلف الوضع كليا، فهذا الجيل الشاب اليافع المتفتح والذي عركته طواحين التكنولوجيا، استطاع أن ينتج وبجهود ذاتية - وبعد أن أدارت لهم التلفزيونات ظهورها- آلاف المقاطع والأعمال المتداولة في أجهزتنا المحمولة وقلوبنا المعلولة، وبتقنية عالية وبأقل التكاليف، والتي تحاكي هموم الناس وتتقاطع مع اهتمامات وتقليعات المراهقين والشباب من الجنسين.
جيل متجاوز لم يقنعه ما يقدمه الفنان التقليدي أو يضحكه المهرج العادي، بل أصبح يصنع النكتة الحديثة، وينتج العمل الفني الجاد أحيانا والساخر أحيانا أخرى، إما على هيئة كرتونية أو شخصيات واقعية، معتمدين على كوميديا سوداء تناقش أوضاعنا الداخلية وتسخر من كل هذه الترهلات في معاملاتنا الحكومية، وأنماط حياتنا اليومية.
ومن لديه أبناء تتراوح أعمارهم بين السبع سنوات والعشرين سنة سيلاحظ انصرافهم عن أغلب القنوات التلفزيونية إلى قنوات التواصل ومقاطع اليوتيوب المختلفة.. وهذا هو الرهان الحقيقي الذي يفترض أن يعيه نجوم الشاشات التلفزيونية ..ويكفي.