لو كان للغات وأصواتها أشكال وألوان، لتزينت سماء المسجد الحرام بمصابيح من الرجاء، وإن اختلفت سحنات الوجوه، وتباينت أصوات المتعلقين بحبال الله، فالرب واحد، والمرجو واحد، والمطلب متعدد.
وإن تواتر في الدين الحنيف أن ملائكة من السماء يكلفهم رب العزة بتلقي دعوات المستغيثين هوناً، وفتح أبواب السماوات المغلقة لها، فإن الرب الرحيم ذاته، وإن أنزل قرآنه الكريم بلغة العرب، لم يشترط على عباده المجتمعين في بيته العتيق دعاءه بنفس الأحرف، ولم يشترط ترجماناً لتلك التوسلات، فالذي ألف بين قلوب ملايين البشر وجمعهم في مكان واحد، جنباً إلى جنب مع ملائكته، كان أرحم من العبد بنفسه، فشرط قراءة ما تيسر من القرآن «العربي» لصحة الصلاة، ولم يشق على العبد فترك الدعاء مفتوح المعاجم جبراً للنفوس والمطامع، حتى يحيط الداعي بدعائه وأغراضه.
ويوضح عبداللطيف اليامي المشرف على أحد مراكز خدمة الحجاج والمعتمرين «جاء القرآن الكريم باللغة العربية كمعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، كون قومه -أي العرب- يتفاخرون بلغتهم وأيهم أبرع فيها، ولذا جاء بلغتهم ليتحداهم فيما برعوا فيه، وأنه من كلام الله ولا يمكن لبشر أن يجيء بمثله حجةً وحسناً، وكذلك كانت معجزات الرسل والأنبياء كافة، كل بحسب ما برع فيه قومه، والقرآن يتعبد بتلاوته، وهو شرط لصحة الصلوات التي هي ركن من أركان الإسلام، لكنه لم يشترط حدا معينا من القراءة لصحتها بل تكفي آية واحدة، فضلاً على الفاتحة التي هي أم الكتاب، بل إن الإسلام راعى المسلمين من غير العرب وصعوبة نطقهم وحفظهم للغة، وكذلك الأميين ممن لا يتقنون القراءة، فلم يطالبهم بأكثر من قراءة ما تيسر من القرآن».
وأضاف: الدعاء هو أيضاً من العبادات، لما فيه من التذلل والخضوع للواحد القهار، لكنه لا يشترط أن يكون باللغة العربية، ولو كان ذلك لشق على الأمة، ولعجز كثير من الناس عن الدعاء بما في نفوسهم، لصعوبة الأمر على الأميين والبسطاء، إلى جانب العجم، كما قال تعالى في كتابه العزيز (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وفي آية أخرى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)، مشيرا إلى أن للإنسان حرية الدعاء بما شاء سواءً ما يتعلق بأمور الآخرة أو الدنيا.
وفي الحرم المكي الشريف، وخاصةً في شهر رمضان المبارك، لن يجد المتابع أكثر من لحظات الدعاء روحانيةً وخشوعاً، سواءً بالنسبة للمعتمرين منفردين في دعائهم، أو ملتئمين يؤمّنون دعاء إمامهم، وليس أدق من ذلك، إلا دموع المبتهلين التي تبلل خدودهم حتى تسقي أكف الضراعة.
الدعاء معاجم لغات ما بين السموات والأرض
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
