لقد كانت أفضل الأوقات، كما كانت أسوأ الأوقات. وكان عصر الحكمة كما كان عصر الحماقة. وكانت حقبة الإيمان كما كانت حقبة الإنكار، وكانت بؤرة الضوء كما كانت فصل الظلام، وكانت ربيع الأمل كما كانت شتاء اليأس.
لقد كان لدينا كل شيء أما الآن فليس لدينا أي شيء. كنا جميعا ذاهبون إلى الجنة كما كنا جميعاً ذاهبون نحو الاتجاه المعاكس.
تشارلز ديكنز/ «قصة مدينتين»
قد يكون وصف الأديب الإنجليزي لباريس ولندن في ذلك الوقت ينطبق على ما يحدث لدينا اليوم حيث تغلف سحابة سوداء عالمنا من أقصاه إلى أقصاه.
لقد أصيبت الجماهير العربية بالشلل وهي تشاهد الحروب الشرسة، والفرقة، والتسلط، والشتات، والرجال الذين لم يكن لهم وزن ولا قيمة وهم يرتقون مراتب السلطة ويتجاوزون كل الحدود.
ولعل أكثر ما تألمت له الجماهير العربية هو الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة حيث يموت الكبار والصغار، النساء والرجال بلا رحمة أو وخزة ضمير.
ونشاهد على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي الجنود الإسرائيليين وهم يجلسون على الشواطئ يأكلون الفشار ويشربون الخمر ويلوحون بعلامات النصر للطائرات الإسرائيلية من طراز إف-16 وهي ترمي قنابلها الحارقة والمدمرة على المباني والبشر في غزة.
وتشاهد الجماهير العربية يومياً حيث الرجال والنساء والأطفال تملأ الشوارع كما يشاهدون المستشفيات وأماكن العبادة وملاجئ الأيتام وهي تتحول إلى حطام تحت القصف الإسرائيلي.
وقبل كل هذا وذاك، تشاهد الجماهير العربية عجز حكوماتها وضعفها المزري وعدم مقدرتها حتى على التواصل مع حلفائهم وأصدقائهم في الغرب للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها الغاشم على غزة المحاصرة. وتدرك الجماهير العربية بكثير من الأسى والألم تحكم إسرائيل وحلفائها على وسائل الإعلام القوية في أمريكا وأوروبا.
مثل سي. إن. إن و بي. بي. سي ووقوف هذه الوسائل الإعلامية المرموقة إلى جانب إسرائيل في كل الأحوال.
وتحدثت هذه الوسائل باستفاضة عن حق إسرائيل المشروع في الدفاع عن نفسها وكأن إسرائيل هي الضحية وليست المعتدي. وتقوم هذه الوسائل الإعلامية بلا أي حياء بلي عنق الحقيقة لإظهار إسرائيل وكأنها الدولة المكسورة المغلوبة على أمرها بسبب أنها محاطة بملايين العرب المعادين لها من كل ناحية.
وتنافق وسائل الإعلام الغربية إسرائيل بلا استثناء لكسب ودها والحصول على رضاها. ويقابل نفاق وسائل الإعلام الغربية وسعيها الحثيث لدعم إسرائيل ضعف العرب.
وعدم فاعليتهم وعدم قدرتهم على الحركة لدعم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
والجامعة العربية، كما هو واضح للعيان، في إجازة طويلة لا أحد يدري متى ستنتهي ومنظمة التعاون الإسلامي أيضاً بلا فاعلية ولم تقدر منذ إنشائها على معالجة أي قضية إسلامية.
وتشعر الجماهير العربية بالإحباط والعجز وبأنها غير قادرة على عمل أي شيء يعيد لها كرامتها المسلوبة أو أراضيها المغتصبة.
وقال لي أحد الشباب معاتباً إن جيلنا قد فقد فلسطين وأدخل الأنظمة الديكتاتورية في البلاد بسبب ضعفه وخنوعه. وسألته ما هو الحل في رأيه وقد وصل بنا الحال لما نحن عليه الآن؟
فقال لي وهو يتقطع حسرة وألماً إن مشاكلنا أكبر من الحل وأنه لا مجال لإصلاح الحال.
وما كان منى إلا أن وافقته وقلت بيني وبين نفسى إننا جيل النكبة ولا يجب أن نبكي على اللبن المسكوب. وعلينا إذا أردنا حل مشاكلنا أن نبدأ بالعراق وسوريا وليبيا قبل أن تستفحل أكثر من هذا وتستعصى عل الحل. وعلينا أيضاً إيجاد الحلول الناجحة لمشاكل التطرف، والغلو، والجهاد، والإرهاب وأن نتعاون معاً لإبطال هذا السم الزعاف قبل أن يتغلغل إلى جسد الأمة بكامله.
إننا نتحدث دائماً عن الأمن وضرورته لتقدم الشعوب لكن هذا الأمن لن يتحقق بدون حوكمة رشيدة وتقدم اقتصادي وهي أشياء تحتاج إلى قادة ورجال دولة من طراز رفيع مشهود لهم بالنزاهة والاستقامة والأخلاق الحميدة ويستطيعون أن يسموا فوق الصغائر وان يتجاوزوا الخلافات لكي يستطيعوا وضع نهاية لهذه المرحلة التي هي بلا شك أكثر ظلاماً منذ غزو المغول لبغداد عام1258م إن الشعوب العربية لن تبقى مكبلة ومغلولة إلى ما لا نهاية. إنها حتماً ستكسر القيد وتنطلق إلى آفاق الحرية والانعتاق.